صاحب الامر

مركز البحوث الكونية والنشأة الاولى - صاحب الامر
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» الطوفان
السبت 02 يوليو 2016, 20:57 من طرف حارس المجرة

» الرؤيا
الأربعاء 04 مايو 2016, 21:44 من طرف صاحب الأمر

» رؤية الثورة الشعبية
الأحد 24 أبريل 2016, 16:50 من طرف حارس المجرة

» نشاط المنتدى
الأحد 24 أبريل 2016, 16:12 من طرف صاحب الأمر

» تعليق علي موضوع (الروح دراسة جديدة بمفهوم مختلف تماماً)
الإثنين 02 نوفمبر 2015, 02:45 من طرف حارس المجرة

» ماهية الامامة - أحد فروعها
الثلاثاء 01 سبتمبر 2015, 23:43 من طرف صاحب الأمر

» فلله قوم في الفراديس مذ ابت قلوبهم أن تسكن الجو والسما !..
الجمعة 15 مايو 2015, 20:24 من طرف حارس المجرة

» الى عمي الحج هلا رمضان
الأحد 10 مايو 2015, 18:03 من طرف صاحب الأمر

» إلى أخوي رائـــــد
السبت 25 أبريل 2015, 21:36 من طرف قراني حياتي

المواضيع الأكثر نشاطاً
سيرة سيد الخلق
مناظرة المهديين عجل الله هداهم
مباهلة لكل من كذب بأمر الله وعنده الجرأة على يباهل
توضيح الرسالة لهلال المثالث 2012
حوار مع انصار احمد الحسن العسكري
عاجل لصاحب الامر لاسكات الجهلاء
عطر الولاية
مؤتمر للماسون بخصوص اقمار الدم الاربعة القادمة
لعبة ورق
مواكب حسينية
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث

شاطر | 
 

 سيرة سيد الخلق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3 ... 10, 11, 12  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:36

سيرة سيد الخلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما


جَد ّ .. طيب .. كريم .. عفيف .. شهم .. ذو مروءة ..

سنبتدأ به الحكاية ..

فما وراء هذا الجَدّ .. لا يهمنا من العِبر ..

قدر ما بيننا وبينه من الفعل والأثر ..

هذا الجد الطيب ..

اسمه .. عبد المطلب ..

كان مسؤولا .. عن السقاية والرفادة .. في مكة المكرمة ..

وأقامها للناس ..

ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم ..

فشرف في قومه شرفا ...لم يبلغه أحد من آبائه..

فأحبه قومه ..وعظم أمره فيهم..


وفي يوم من الأيام ..

كان الجد الطيب .. عبد المطلب .. نائم في الحجر ..

فرآى رؤيا .. فيها رجل ..

قال له (احفر طيبة)

قال (وما طيبة ؟)

ثم اختفى الرجل .. وانتهى المنام ..

فلما كان الغد .. رجع عبد المطلب إلى مضجعه.. فنام فيه ..

فرآى رؤيا .. فيها رجل ..

فقال له (احفر برة)

قال (وما برة ؟)

ثم اختفى الرجل .. وانتهى المنام ..

فلما كان الغد .. رجع عبد المطلب إلى مضجعه.. فنام فيه

فرأى رؤيا .. فيها رجل ..

فقال له (احفر المضنونة)

فقال (وما المضنونة ؟)

ثم اختفى الرجل .. وانتهى المنام ..

فلما كان الغد .. رجع عبد المطلب إلى مضجعه . ونام فيه ..

فرأى رؤيا فيها رجل ..

قال له (احفر زمزم)

قال (وما زمزم ؟)

قال ( لا تنزف أبدا ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم ، وهي بين الفرث والدم
عند نقرة الغراب الأعصم ، عند قرية النمل)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:38

فلما عرف عبد المطلب .. من شأن تلك البئر ..

ودُل على موضعها ..

وعرف أنها صدق ..

أخذ معوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب ..

ولم يكن لديه .. غير ولده الحارث ..

وبدأ الحفر ..

فلما بدا لعبد المطلب الطي ... كبّر ..!

فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته ...

فقاموا إليه فقالوا ..

يا عبد المطلب ... إنها بئر أبينا إسماعيل ..
وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها ..

فقال (ما أنا بفاعل .. إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم .. وأعطيته من بينكم)

قالوا له ..

فأنصفنا ... فإنّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها ..

قال ( فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه)

قالوا .. كاهنة بني سعد هذيم

قال : نعم ..

وكانت الكاهنة .. بأشراف الشام ...


فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه ... من بني عبد مناف ...

وركب من كل قبيلة من قريش... نفر

والأرض إذ ذاك مفاوز ...

فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام ..

نفذ ماء عبد المطلب وأصحابه ...

فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة ..

فاستسقوا من معهم من قبائل قريش .. فمنعوا عنهم الماء ..

وقالوا لهم.. إنا بمفازة ، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم ..

فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم ..وما يتخوف على نفسه وأصحابه...

قال : ماذا ترون ؟

قالوا : ما رأينا إلا تبع لرأيك ، فمرنا بما شئت

قال : فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة
فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه
حتى يكون آخركم رجلا واحدا
فضيعة رجل واحد ... أيسر من ضيعة ركب جميعا

قالوا : نعم ما أمرت به ...

فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ..

ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا ..

وفجأة ..

قال عبد المطلب لأصحابه ..

والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت ..
لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا .. لعجزٌ ..
فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ..

وطلب منهم الارتحال .. ففعلوا ..

حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ..

ينظرون إليهم ما هم فاعلون..

تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها ..

فلما تحركت به ..

انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب ..

فكبّر عبد المطلب ..!!

وكبّر أصحابه ...

ثم نزل فشرب وشرب أصحابه .. واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم ..

ثم دعا القبائل من قريش ..

فقال : هلم إلى الماء ، فقد سقانا الله ، فاشربوا واستقوا ..

فجاءوا فشربوا واستقوا ..

ثم قالوا :

قد والله قضي لك علينا يا عبد المطلب .. والله لا نخاصمك في زمزم أبدا
إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة .. لهو الذي سقاك زمزم
فارجع إلى سقايتك راشدا ...

فرجع ...

ورجعوا معه ..

ولم يصلوا إلى الكاهنة ..

وخلوا بين عبد المطلب .. وبين زمزم ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:40

بعد ذلك ..

اشتهرت زمزم على الآبار التي كانت قبلها يسقي عليها الحاج ...



وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام ..

ولفضلها على ما سواها من المياه ...

ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ...



وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها ...وعلى سائر العرب

فقالوا فيها أشعارا ..



كان منها ..

وساقي الحجيج ثم للخير هاشم - وعبد مناف ذلك السيد الفهري
طوى زمزم عند المقام فأصبحت - سقايته فخرا على كل ذي فخر


كان عبد المطلب بن هاشم... فيما يزعمون والله أعلم ..

قد نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم ..

وقال..

لئن ولد له عشرة نفر .. ثم بلغوا معه الرشد ..
لينحرن أحدهم لله عند الكعبة ..

فلما أضحى عنده عشرة أولاد ..

أخبرهم بنذره ..

ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك ..

فأطاعوه ..

قالوا : كيف نصنع ؟

قال : ليأخذ كل رجل منكم قدحا.. ثم يكتب فيه اسمه .. ثم ائتوني ..

ففعلوا ثم أتوه ..

فدخل بهم على الصنم (هبل) في جوف الكعبة ..

وكان عند هبل قداح سبعة..



كل قدح منها فيه .. كتاب .. أو ورقة ..

وكانت قريش إذا اختلفت في العقل من يحمله منهم ..

ضربوا بالقداح السبعة ..

فإن خرج العقل ... فعلى من خرج حمله ..

وكانوا يضعون قدحا لكل شيء ..

واحد للقبائل ..

وآخر للمياه ..

وآخر للخيار نعم .. أو .. لا ..

وإذا أرادوا أن يختنوا غلاما .. أو ينكحوا منكحا ... أو يدفنوا ميتا

أو شكلوا في نسب أحدهم ..

ذهبوا به إلى هبل ... ومعهم 100 درهم وجزور ..

فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها ..

ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ..

ثم قالوا : يا إلهنا ... هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا .. فأخرج الحق فيه

وهكذا ..

حتى ينتهون في أمورهم ... إلى ذلك مما خرجت به القداح .
نعود إلى قصتنا ..

قال عبد المطلب لصاحب القداح : اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه ..

فأعطاه كل رجل منهم ... قدحه الذي فيه اسمه ..

وكان عبد الله بن عبد المطلب (أبو النبي الكريم ) أصغر الأولاد ..

كان لعبد المطلب .. كما قلنا .. عشرة أولاد ..



الحارث .. الزبير .. حجل .. ضرار .. المقوم ..
أبو لهب .. العباس .. حمزة .. أبو طالب .. عبد الله

وكان عبد الله .. أحب الأبناء إلى أبيه ..

اجتمعوا عند الكعبة ..

وبدأ صاحب الأقداح .. يضرب فيها ..



فأنشد عبد المطلب يقول ..

اللهم لايخرج عليه القدح - إني أخاف أن يكون قدَح
إن كان صاحبي للذبح - إني أراه اليوم خير قدْح
حتى يكون صاحبي للمنح - يغني عني اليوم كل سرْح

فخرج القدح .. على عبد الله .. !



فأخذ عبد المطلب ولده بيده ..

وأخذ الشفرة ..

ثم أقبل به إلى الصنمين .. أساف ونائلة ..
حيث ينحر القوم ذبائحهم ..



فقامت إليه قريش .. تنادي ..

"ماذا تريد ياعبد المطلب؟"

فقال .. أذبحه .. !

ثم أنشأ يقول ..

عاهدتُ ربي وأنا موف عهده - أيام حفر وبني وحده
والله لا أحمد شيئا حمده - كيف أعاديه وأنا عبده
إني أخاف إن أخّرتُ وعده - أن أضل إن تركتُ عهده
أوجع قلبي عند حفري ردّه - والله ربي لا أعيش بعده

فرقّ قلب قريش له .. فقالوا ..

والله لاتذبحه أبدا .. ونحن أحياء .. حتى نعذر فيه ..
لئن فعلت هذا .. لايزال رجل يأتي بابنه تحتي فيذبحه ..
فما بقاء الناس على ذلك ..!

ثم اقترحت عليه قريش .. أن يذهب إلى عرافة في الحجاز ..
يقال لها .. نجاح .. لها تابع من الجن .. وليسألها ..



فوافق طلبهم ...

وانطلقوا .. حتى قدموا المدينة .. فسمعوا أنها في خيبر ..

فارتحلوا .. حتى وصلوها ..

وقص عليها عبد المطلب شأنه وشأن ابنه .. والنذر القديم ..

فقالت لهم .. ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله ..

فخرجوا من عندها ..

وقام عبد المطلب يدعو الله قائلا ..

يارب لاتحقق حذري - واصرف عنه شر هذا القدر ِ
فإني أرجو لما قد أذر ِ - لأن يكون سيدا للبشر ِ

ثم ذهبوا إليها في اليوم التالي .. فسألوها ..

قالت.. نعم .. قد جاءني الخبر .. فكم الفدية فيكم؟

قالوا.. عشرة من الإبل ..

وكانت كذلك..

فقالت ..

ارجعوا إلى بلادكم فقدموا صاحبكم وقدموا عشرا من الإبل
ثم اضربوا عليها بالقداح ..
فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا الإبل
حتى يرضى ربكم
فإذا خرجت القداح على الإبل
فقد رضي ربكم ..
فانحروها عنه ..
ونُجّي صاحبكم ..

فخرجوا حتى قدموا مكة ..

فلما أجمعوا لذلك الأمر ..

قربوا عبد الله .. وعشرا من الإبل ..

ثم ضربوا القدح .. فخرج السهم على عبد الله ..

فزادوا الإبل عشرة .. واصبحت عشرين ..

ثم ضربوا القدح فخرج السهم على عبد الله .. فزادوا عشرة من الإبل..
وظلوا على ذلك الفعل .. حتى بلغ عدد الإبل تسعين ..
والسهم يخرج على عبد الله ..

ثم زادوا عشرة .. وضربوا القدح .. فخرج السهم على الإبل ..

فقالت قريش .. قد رضي ربك وخلّص لك ابنك ..

فذكروا أن عبد المطلب قال .. لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات ..

فضربوا على الإبل وعلى عبد الله .. ثلاث مرات ..

وهي تخرج على الإبل ..

فنجّى الرحمن ... عبد الله ..

وتُركت الإبل في الميدان.. لايُصد عنها أحد ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:41


كانت آمنة بن وهب بن عبد مناف بن زهرة ..

وأخرج البخاري في صحيحه ، عن أبي هريرة قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا ، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه .

وأخرج البيهقي في " دلائل النبوة " ، عن أنس
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما ، فأخرجت من بين أبوي ، فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي ، فأنا خيركم نفسا وخيركم أبا .

وأخرج أبو نعيم في " دلائل النبوة " من طرق ، عن ابن عباس قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا
لا تنشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما .

وأخرج مسلم ، والترمذي وصححه ، عن واثلة بن الأسقع قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة
واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم
واصطفاني من بني هاشم .

فتاة زهرة.. (آمنة)



تفتّح صباها في أعز بيئة وأطيب منبت
فاجتمع لها من أصالة النسب ورفعة الحسب
ما تزهو به في ذاك المجتمع المكي المعتز بكرم الأصول ومجد الأعراق..

كانت (آمنة) زهرة قريش اليانعة .. وبنت سيد بني زهرة نسبا وشرفا ..
وقد ظلت في خدرها محجبة عن العيون .. مصونة من الابتذال ..
حتى ما يكاد الرواة يتبينون ملامحها ..

لكن يعرف المؤرخون .. أنها حينما خطبت لعبد الله ابن عبد المطلب ..
كانت يومئذ أفضل فتاة في قريش نسبا وموضعا .. كما يقول ابن هشام في سيرته ج1\156

كان شذى (آمنة) العطر .. ينبعث من دور بني زهرة ..
فينتشر في أرجاء مكة ويثير أكرم الآمال في نفوس شبانها ..
الذين زهدوا في كثيرات سواها ..

وقد عرفت آمنة في طفولتها وحداثتها ..
ابن العم .. عبد الله بن عب المطلب ..
بين من عرفت من أبناء الأسر القريشية ..

إذ كان البيت الهاشمي أقرب هذه الأسر جميعا إلى آل زهرة..
جمعتهما أواصر ود قديم لم تنفصم عراه ..
منذ عهد الشقيقين .. قصي وزهرة .. ولدي كلاب بن مرة ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:43

فتى هاشم ... (عبد الله)



لم يكن (عبد الله) بين الذين تقدموا لخطبة (زهرة قريش)
مع انه الجدير بأن يحظى بيدها دونهم جميعا ..
فما كان فيهم من يدانيه شرفا ورفعة وفتوة ..

فهو ابن عبد المطلب بن هاشم
وفيه العمود والشرف
ولم يبق لهاشم عقب إلا منه..

ولم يكن غريبا ألا يبادر (عبد الله) إلى خطبة (آمنة)
مع المعروف من نذر أبيه .. لينحرنّ أحد بنيه عند الكعبة ..

ويقول (بودلي) في كتابه الرسول ...

"كان عبد الله قد اشتهر بالوسامة
فكان أجمل الشباب وأكثرهم سحرا وذيوع صيت في مكة
ويقال أنه لما خطب آمنة بنت وهب
تحطمت قلوب كثيرات من سيدات مكة"

وبعد أن نجّى الرحمن .. عبد الله من الذبح ..

توافدت الأخبار في مكة .. بفداء الشاب الكريم من الموت..

فسمعت (آمنة) ضجة عالية تقترب من بيت سيد زهرة ..

إذن.. فقد نجا فتى هاشم ..!

ما أوسع رحمتك يا رب .. !

وهمت (آمنة) بأن تسعى للباب ..

تسأل أبيها القادم .. كيف كانت النجاة ...

لكنها فوجئت .. بأبيها نفسه .. يقف بباب الدار ..

مُرحّبا بالوافدين الكرام ..!!

العرس



فيم كان مقدم الضيوف يا ترى ؟!!

لم يطل بآمنة الوقت .. لتعرف الخبر السعيد ..
فلقد أقبلت عليها أمها (برة) بعد قليل ..
متهللة الوجه .. مشرقة الأسارير ..
لتحدثها عن (عبد الله) .. كيف افتدي من النحر ...

وبينما كانت الأم الكريمة .. تقص على ابنتها تلك الأخبار ...
راحت تراقب أسارير ابنتها (آمنة) في لهفة ..

لكن الفتاة ...
أفلحت في أن تخفي رغبتها .. في معرفة بقية الحديث ..
وراء قناع من المداراة ..
بعد أن دلها قلبها .. على أن أمها ما جاءت تقص عليها قصة الفداء ..
إلا تمهيدا لشأن آخر ..

وفجأة ..

يأتي الأب .. (وهب) ..

ليقول لابنته في رقة وحنو ..

"إن شيخ بني هاشم قد جاء يطلبك ِ زوجة لفتاه عبد الله"

ثم عاد لضيوفه ..

!!!!

تاركا (آمنة) في شبه ذهول ..
مالبثت أن أفاقت منه على صوت قلبها .. يخفق عاليا ..
حتى ليكاد يبلغ مسمع أمها الجالسة إلى جوارها ..

أ حقا آثرتها السماء بفتى هاشم زوجا ؟!

ثم توافدن سيدات بني زهرة .. الواحدة تلو الأخرى ..
مهنئات مباركات ..

وأحطن بالعروس .. يتحدثن عما ترامى إليهن من تعرض نساءٍ من قريش .. لعبد الله..
ووقوفهن في طريقه بين الحرم .. وبين دار (وهب)..
يعرضن أنفسهن عليه عرضا صريحا ..

وسمعت (آمنة) من حديثهن ذلك عجبا .. !

سمعت أن بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية
استوقفت (عبد الله) قريبا من الكعبة ..

فقالت له .. أين تذهب يا عبد الله ؟!

قال في إيجاز ... مع أبي ..

قالت.. لك مثل الإبل التي نُحرت عنك اليوم ..
إن قبلتَ أن أهب لك نفسي الساعة !

فرد عليها معتذرا في تلطف .. أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه.. !

وقيل إن (فاطمة بنت مرة) ... وكانت من أجمل النساء وأعفهن
كما ذكر الطبري وابن الأثير .. كاهنة من خثعم ..
دعته إلى نكاحها فنظر إليها وقال ..

أما الحرام فالممات دونه
والحِلُّ .. لا حل فاستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه

وقيل .. أن ليلى العدوية عرضت نفسها عليه يومئذ..
فلم يستجب لها ..

ولانكاد نشك في أن (آمنة) سمعت كثيرا .. وهي على وشك الزفاف ..
عن تطلع غيرها من القرشيات إلى فتاها المرموق ..
وأنها تلقت التهنئة الحارة بزواجها من الشاب الهاشمي
الذي ملأ الاسماع بقصة فداءه ..
كما ملأ الأعين بسحر فتوته ونضارة حيويته ..

فأطالت التفكير في فتاها الذي لم يكد يُفتدى من الذبح
حتى هرع إليها خاطبا ..
زاهدا في كل أنثى سواها ..
غير ملقٍ أذنية إلى ما سمع من دواعي الإغراء .. !

فبدأت تتأمل ..

هل فكر فيها عبد الله ؟!

هل عانى وهو صامت ينتظر ؟!

ولقد كانت قصة الفداء .. أمرا يهز قلوب أهل مكة ..
تعلقا بالشاب الذي مسّت الشفرة منحره وهو صابر مستسلم لأمر الله ..
راضٍ بقدره ..
حتى إذا لم يبق بينه وبين الموت إلا قيد شعرة ..
أنقذه الله بأغلى فدية عرفها العرب .. !



ولقد أضيئت المشاعل في شتى أرجاء البلد الحرام الآمن ..
وحفلت دار الندوة بوجوه قريش وساداتها ..
وسهرت مسامر البلدة المقدسة .. تسترجع قصة الذبيح الأول .. إسماعيل عليه السلام..
حين مضى به أبوه إبراهيم .. عليه السلام .. لكي يذبحه طاعة وتعبدا ..
فافتداه الله بكبش .. بعد أن كان من الموت قاب قوسين أو أدنى ..

لكن المفتدى هذه المرة .. هو حفيد أصيل من ذرية إسماعيل ..
التي انتشرت في الأرض وتوارثت مجد الجدود ...

واستغرقت الأفراح ثلاثة أيام بلياليها ..
كان (عبد الله) اثناءها يقيم مع عروسه في دار أبيها على عادة القوم ..

حتى إذا أشرق اليوم الرابع ..
سبقها إلى داره ليهيئها لاستقبال الوافدة العزيزة ..

وتم زف العروس ...



ولم يكن البيت كبيرا ضخم البناء ..
لكنه إذا قيس ببيوت مكة يومئذ ..
عُدّ رحبا مريحا لعروسين يبدآن حياتهما المشتركة ..

إذ كان كما وصفوه .. ذو درج حجري ..
يوصل إلى باب يفتح من الشمال ..
ويدخل منه إلى فناء يبلغ طوله نحو 12 مترا في عرض 6 أمتار ..
وفي جداره الأيمن باب .. يدخل منه إلى قبة ..
وفي وسطها مقصورة من الخشب .. أعدت لتكون مخدع للعروس ..

وترك (عبد الله) عروسه في مخدعها مع رفيقاتها .. من سيدات آل زهرة
ثم خرج إلى رحبة الدار الواسعة .. حيث الضيوف الكرام ..
الذين صحبوا العروس إلى بيتها ..

ومضى القوم .. يباركون العتبة الجديدة التي انتقلت إليها ..
زهرة قريش ..

ويدعون للزوجين الكريمين ..

أعز من عرفت الحجاز .. حسبا ..

وأعرقهم نسبا ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:44

البشرى



عاد الضيوف إلى منازلهم ..

وهجع الكون .. وسكنت الدنيا ..

وكان (عبد الله) يحدث (آمنة) .. عما رأى في رحلته إلى كاهنة الحجاز..

ثم سألته (آمنة) .. هلا حدثتني ياعبد الله عن أولئك النسوة ..
اللاتي شغلنك في أيامك هذه ؟

فقال .. ما شغلني عنك قط يا آمنة .. ولكنه الذي سمعت ِ من تعرضهن لي ..
وانصرافي عنهن إليك وحدك ِ .. على أن للقصة بقية لمّا تسمعي بها ..
حدثت في يومنا هذا .. إذ كنت ُ عائدا من بيت أبيكِ لكي أهيء داري لاستقبالكِ ..
وشغلتُ بهذا يومي كله .. فلم أكد أحدث أحدا بما كان .. !

فسألته .. أ خاطبات جديدات ؟!

قال.. كلا يا آمنة .. بل زاهدات منصرفات عنه ..
كأنه لم يكن هو نفسه الذي تعلقن به منذ أيام .. !

فأومأت له أن يمضي بقصته .

فقال ..

أجل يا ابنة وهب ..
زاهدات في فتاك ِ كأنه أبدل خلقا جديدا ..
مررتُ بهن اليوم في طريقي بين دار أبيك ودارنا هذه ..
فأشحن عني بوجوههن معرضات .. !
إلى حد ٍ أثار عجبي وفضولي لمعرفة سر هذا الإنقلاب..!

فسألت ُ إحداهن .. وهي بنت نوفل ..

مالك ِ لاتعرضين علي اليوم .. ما كنت ِ تعرضين علي بالأمس ؟!

قالت .. فارقك َ النور ُ الذي كان معك بالأمس .. فليس لي بك اليوم حاجة !!!

واكمل عبد الله القصة ...

وكذلك أعرضتْ عني (فاطمة بنت مر) .. فقالت ..

"قد كان ذلك مرة .. فاليوم لا ..
وإني والله ما أنا بصاحبة ريبة .. ولكني رأيت ُ في وجهك نورا
فأردتُ أن يكون لي .. فأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد ..
فما صنعتَ بعدي ؟"

فقلت لها .. زوجني أبي آمنة بنت وهب ..

فانشدت ..

لله ما زُهرية ٌ سلبتْ - منكَ الذي استلبتَ وما تدري !

ثم قالت في تحسر ..

ولما قضت منه أمينة ما قضت - نبا بصري عنه وكلَّ لساني

واكمل عبد الله ..

وسألت ُ ليلى العدوية .. ما صدك ِ عني ؟

فأجابت ..

"مررتَ بي وبين العين3 عندك... غرة بيضاء ..
فدعوتك فأبيتَ علي
ودخلت على آمنة فذهبتْ بها"

وراح العروسان .. يفكران في ذلك الموقف الغريب
الذي وقفته نسوة قريش .. من (عبد الله) ..!

لكن .. استدركت (آمنة) أمرا .. فسألته .. هلا أعدت علي ما قالته بنت نوفل ؟!

فقال .. ولماذا تسألين عن بنت نوفل دون سواها؟

قالت .. ستعرف بعد .. فهلا أعدت لي ما قالت؟

قال .. سألتها مالك ِ لاتعرضين علي اليوم ما كنت ِ عرضتِ علي بالأمس؟
فأجابت .. فارقك النور الذي كان معك .. فليس لي بك اليوم حاجة ..

فسكتت (آمنة) لتفكر .. ثم قالت ..

والله يا ابن العم .. إني لأرى لهذا الأمر ما بعده
فهذه المرأة أخت (ورقة بن نوفل)
وهو كما تعلم وأعلم .. قد تنصّر وأتبع الكتب
وبشّر بأن سيكون في هذه الأمة .. نبي !

ثم استطردت .. تقول بعد صمت قصير ..

تراني نسيت أن فاطمة بنت مر ..
قرأت الكتب كذلك وهي بعد كاهنة خثعم ..

وسكت العروسان .. وهما يفكران بما يمكن أن يحدث ..
ثم ناما .. واستيقظت (آمنة) عند الصباح ..
تحدث فتاها برؤيا عجيبة ..



إذ رأت كأن شعاعا من النور ينبثق من كيانها اللطيف
فيضيء الدنيا من حولها ..
حتى لكأنها ترى به قصور بصرى من أرض الشام ..

وسمعت هاتفا يهتف بها ...

إنك ِ قد حَمِلتِ بسيّد هذه الأمة


ولقد بقي (عبد الله) مع عروسه أياما .. لم يحدد لنا التاريخ عددها ..
ولكنها عند جمهرة المؤرخين لم تتجاوز عشرة أيام ..
إذ كان عليه أن يلحق القافلة التجارية المسافرة إلى الشام .. مع قريش ...

حانت ساعة الفِراق ...

فودع (عبد الله) زوجته الحبيبه ....حين أذن المؤذن برحيل القافلة ..
فتشبثت به (آمنة) .. وقد ساورها هاجس .. من قلق وتوجس ..

فيربت الزوج الحنو على يدها .. ويقول ..

لاتحزني .. إن هي بضعة أسابيع .. ثم اعود إليك ِ

قالت في يأس ... لكن ليالي سفرك طويلة ياعبد الله ...

فقال ..

يا آمنة .. أ فنسيت ِ حديث بنت نوفل .. وفاطمة بنت مر .. ورؤيا الأمس القريب ..
اشغلي نفسكٍ بالرؤى المؤنسة ... وبتلك المبشرات .. حتى أعود ..

وإذ بلغ (عبد الله) الباب ..
انفلت مسرعا قبل أن تخونه شجاعته وتغلبه عواطفه



على حين بقيت (آمنة) واقفة بباب مخدعها الموحش..
وقد وضعت يداها على قلبها .. تترقب عودته .. حتى من قبل ذهابه ..

وأدركتها بعد ساعة .. جاريتها (بركة أم أيمن)
فقادتها برفق إلى فراشها ..
ثم جلست إلى جانبها ترعاها .. مشفقة عليها مما تلاقي ..

ومرت أيام وليال ..



و (آمنة) في فراشها لا تبرحه ..
تجتر أشجانها وترسل قلبها في أثر الحبيب الراحل ..

وقد حاول أهلها .. كما حاول (عبد المطلب) .. أن يصرفوها عن وحدتها ..
حرصا على صحتها ..
لكنها آثرت العزلة على الأنس بالأهل والصواحب ..
بل لعلها كرهت أن يفسد أحد عليها هذه العزلة ..
لما كانت تجده في مسامرة طيف الغائب .. من شجن ٍ وشجوّ ..

ومضى شهر ... لا جديد فيه ..

سوى أن (آمنة) شعرت بالبادرة الأولى للحمل ..
وكان شعورها به رقيقا لطيفا ... ليس كباقي النساء ..

فقد روى الحافظ ابن سيد الناس من طريق الواقدي بسنده
إلى وهب بن زمعة عن عمته .. قالت ..

كنا نسمع أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما حملت به أمه ..
كانت تقول ..

"ما شعرتُ بأني حامل به
ولا وجدتُ له ثقلةً كما تجد النساء
إلا أني أنكرت رفع حيضتي على أنها كانت ربما ترفعني وتعود
فأتاني آت وأنا بين النوم واليقظة ..
فقال .. هل شعرت ِ أنكِ حملتِ ؟
فكأني أقول .. ما أدري ..
فقال: إنك حملت ِ بسيد هذه الأمة ونبيها ..
وذلك يوم الاثنين .. فكان ذلك مما يقّن عندي الحمل "

وعن الزهري .. قال ..
قالت آمنة ..

"لقد علقت ُ به فما وجدت مشقة حتى وضعتُه"

وكانت (آمنة) تود لو طارت بالبشرى إلى (عبد الله) ..
واستعادت شيئا من إشراقها ..

وقد هون عليها مرارة الفراق .. أن أكثر أيامه قد تصرمت
وأن كل يوم يدنيها من اللقاء المنتظر
ويزيدها يقينا من الحادث السعيد .. الذي ترجو أن تلقى به زوجها ..
في اللحظة التي يؤوب فيها .. !

وجاء الشهر الثاني ....!

ثم مضت قطعة منه ..

وآن للقافلة أن تعود ..

فتهيأت الحبيبة الغالية .. للقاء الوشيك ..

وراحت تعد ما بقي من أيام وليال ..

وتتمثل زوجها وقد عاد إليها متلهفا .. يحدثها عن رحلته ..

فهل تراها تستطيع أن تصبر ... فلا تفاجئه ببشرى الحمل ؟!

أم هل تراها قادرة على أن تكتم عنه .. ماتراه من رؤى وبشريات ؟!

بهذا شغلت (آمنة) نفسها .. في الفترة التي سبقت عودة القافلة ..

ثم لما لاحت طلائعها ..
خفق قلبها ووقفت في ساحة الدار ..
تنتظر أن يفتح بين آونة وأخرى ..
وتشرق منه طلعة الحبيب ..

وطال الانتظار ..

حتى ساورتها شكوك مبهمة وخوف طاريء
فتنبهت فجأة إلى غيبة جاريتها (بركة)
وكانت قد ذهبت منذ شاع خبر قدوم المسافرين ..
كي تعجل بالبشرى .. إلى سيدتها ..

ثم سمعت (آمنة) .. ضجيج لقاء جيرانها .. بمسافريهم في الرحلة ..



فأين عبد الله ؟

ما الذي أخّره ؟!

هل هو في الكعبة يطوف ؟!

أو لعل أباه الشيخ آت في صحبته .. فانتظر أبيه على مهل ؟!

أو لعلّ ... ولعلّ ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:47

سمعت (آمنة) خطوات .. تدنو من الدار ..
فتعلقت عيناها بالباب وهي لاتكاد تتماسك من انفعال ..
حتى إذا فتح الباب بعد لحظة ... طالت كانها دهر ..
خذلتها قدماها ..
فوقفت حيث هي .. واجمة خائفة ...!

لم يكن (عبد الله) هو القادم ..

وإنما جاء (عبد المطلب) الشيخ .. في صحبة أبيها ..
ونفر من أهلها المقربون ..
وقد غشيت وجوههم غاشية من القلق ..

وكانت "بركة أم أيمن" تمشي في أثرهم متخاذلة مُطرقة ..
تحاول أن تخفي دمعة ً .. أفلتت من مقلتيها ..

قال (وهب) .. والد (آمنة) .. متحاشيا النظر إلى وجه ابنته ..

"بعضَ الشجاعة يا آمنة ... فما في الأمر ما يدعو إلى مثل ذلك الجزع ..
لقد عادت القافلة وكنا في انتظارها بالحرم .. فلما افتقدنا (عبد الله)..
أخبرنا رفاقه أن وعكة طارئة ألمّت به وهو في طريقه إلينا ..
وعما قريب يبرأ ويعود سالما إليك ِ .. وإلى مكة وقريش .. "

وانحلت عقدة .. ربطت لسان (عبد المطلب) .. فعقّب قائلا ..

"هو ذاك يا آمنة .. وعكة بسيطة ولا شيء أكثر ..
وقد قال الرفاق .. خلّفناه بيثرب عند أخواله ..
فبعثتُ إليه أخاه الحارث .. كي يكون معه .. ويصحبه في طريقه إلينا ..
فثوبي إلى صبرك ِ .. وأدعي له ... "

قالت في ضعف ... أفعل يا عم ..!

وانصرفت من فورها إلى الابتهال والدعاء
فلم تكد تشعر بالقوم حولها
حتى غادروا إلى الكعبة خاشعين ضارعين ...

وأتم الشهر الثاني دورته ..
و (آمنة) على حالها تجاهد ما استطاعت أن تذود عن قلبها اليأس ..
وتلوذ بالدعاء ..
لعل الله يرد عليها ذاك الغائب الذي أفتُدي بالأمس .. أغلى فداء ...!



وكانت تعاودها .. في لحظات نومها القصيرة .. رؤيا مُلحّة ..
عن جنين ٍ عظيم تحمله ..
وتسمع الهاتف يبشرها بأمجد بنوّة ..
فإذا عادت إلى يقظتها .. شق عليها ألا تجد (عبد الله) بجانبها
تُفضي إليه بالذي ترى وتسمع ُ ...

الغائب الذي لم يأت



بعد فترة ..

عاد (الحارث بن عبد المطلب) ... وحده !!!

عاد .. لينعى أخاه الشاب .. عبد الله .. إلى أبيه الشيخ ..
وزوجه العروس ..
وبني هاشم والقرشيين جميعا ....!!

لقد اختطف الموت (عبد الله) وهو بين أخواله بين بني النجار ..
أثر رحيل القافلة التي تخلف عنها ..

ودُفن هناك .. على أرجح الأقوال ..
ولم يُقبل فيه هذه المرة .. أي فداء ...!!!

ووجمت (آمنة) للخبر.. وقست عيناها فما تسعفانها ببكاء ..
وأعفاها ذهولها من الانهيار والتصدع ..
فلبثت أياما لاتكاد تصدق النعي ..
حتى إذا تيقنت من الكارثة .. فاضت عبراتها ..

وحزن عليه (عبد المطلب) وإخوته وأخواته .. حزنا شديدا ..

ولبست مكة كلها .. ثوب الحداد على فتاها الذي غالته المنون ..

رحل (عبد الله) .. بعمر .. ثمانية عشر عاما فقط .. !

وترملت العروس الشابة .. وما يزال في يديها .. خضاب العرس .. !

الخوف



انفضّ المأتم ..

لكن القوم لم يفرغوا .. من صاحبه الثاوي في لحده ..
بعيدا عن يثرب ..

كانوا في حيرة من أمره ..

ما دام الله قد كتب عليه الموت هكذا سريعا ..
ففيم كان الفداء .. ؟!!

ومن كان يظن .. حين نُحرت له الإبل المائة بالحرم ..
وتُركت لايُصد عنها إنسان ولا سبع ..
أن المنايا واقفة بالمرصاد للذبيح المفتدى .. على قيد خطوات معدودات ..؟!!!

وفي مثل هذا ..

كانت تفكر الغالية (آمنة) ..
وهي في وحدتها تجتر أحزانها ..
وتكابد الذي تجد من لوعة المَصاب .. حتى خيف عليها ..

فتتابع أهلها يحاولون أن يعزوها ..
وهي تأبى أن تقبل .. في (عبد الله) .. عزاء .. !

وناشدوها الصبر الجميل ..
فأنكرت على نفسها الصبر ..
ووجدت فيه غدرا .. بالحبيب الذي رحل ..

وأوجس (آل هاشم وزهرة) في نفوسهم خيفة ..
أن تشتد وطأة الحزن على (آمنة) فتذهب بها ..

ولبثت (مكة) شهرا .. وبعض شهر ..
وهي ترقب في قلق .. إلى أين تنتهي الأحزان بالأرملة العروس ...

حتى كانت ليلة من ليال شوال ..
أحاط فيها العوّاد بفراش (آمنة) .. وهي في غمرة أحزانها ..
لاتفتأ تسائل كل وافد ووافدة من أهلها ..

فيم كان فداءه إذن .. مادام الله قد كتب عليه الموت العاجل ؟!

وفيم كان العرس الحافل .. ويد القدر تحفر له لحده في يثرب ؟!

على أنها ... ما لبثت أن أُلهمت في نجواها ..

"كأني عرفت ُ سر الذي كان ..
إن عبد الله لم يُفتد من الذبح عبثا .. !
لقد أمهله الله ريثما يودعني هذا الجنين ..
الذي أحسست به اللحظة يتقلب في أحشائي ..
والذي من أجله يجب أن يعيش.."

ومن تلك اللحظة الحاسمة .. أنزل الله سكينته على (آمنة) ..
فطوت أحزانها في أعماقها ..
وبدأت تفكر في ابنها الذي يحيا بها .. ويحييها ..

وبعد أن انقضت أشهر الحمل .. وحانت وقت الولادة ..
تسامعت بيوتات مكة بالنبأ السعيد ..
فتوافدت عقائل قريش على دار عبد الله .. يهنئن آمنة ..
ويصغين إلى ما كان من بشريات المولد المبارك ..

وكانت بلاد العرب آنذاك .. تموج بأقوال مرهصة بنبيّ منتظر .
قد تقارب زمانه ...
يتحدث بها الأحبار من يهود .. والرهبان من النصارى .. والكهان من العرب ..!

ولعل العرب لم يلقوا بالا أول الأمر .. إلى هذا الذي ذاع وانتشر..
غير أننا نطمئن إلى أن (آمنة) ..
قد ألقت كل بالها إلى تلك المبشرات ..
فما نسيت قط أن زوجها هو الذي أستأثر من دون شبان قريش ورجالها .. بمجد الفداء ..
الذي لم يحدث منذ افتدى إسماعيل .. عليه السلام ..

وقد بقي في مسمعها .. صدى قوي مما ذكرته أخت ورقة بن نوفل ..
وفاطمة بنت مر .. وكاهنة من خثعم ..
عن النور الذي انتقل من (عبد الله) إثر زواجه ..
والغرة التي ذهبت بها (بنت وهب) ..
فلم تدع لغيرها من النساء في (عبد الله) مأربا ..

ثم هي قبل هذا كله ..
سيدة من صميم البيئة الرفيعة الحاكمة في مكة ..
ومن شأن نساء هذه البيئة .. أن يرنون إلى بعيد ..
وأن يرجون للأجنة في بطونهن مجدا .. لم يسبق إليه أحد ...!

وفي يوم من الأيام ..
جاءها (عبد المطلب) .. يطلب إليها أن تتهيأ للخروج من مكة مع قريش..
حيث رأى لهم أن يتحرزوا في شعف الجبال والشعاب
تخوفا من الجيش .. الذي جاء به (إبرهة الحبشي) من اليمن ..

وكانت (آمنة) .. قد سمعت بقدوم (إبرهة) هذا في جيش عرمرم
لكنها لم تقدّر أن الأمر قد بلغ من الخطر حدا ..
يدفع قريشا إلى الخروج من بلدهم الأمين ...
فسألت (آمنة) ... عبد المطلب ...

"علمتُ يا عم أن قريشا وكنانة وهذيلا ومن بالحرم من سائر الناس
قد أجمعوا على قتال الطاغية..
فما الذي جدّ في الموقف.. حتى يتركوا الكعبة لايقاتلون عنها؟"

أجاب ..

"عرفوا ألا طاقة لهم بإبرهة .. فكرهوا معركة غير متكافئة ..
تذوب فيها قريش أمام العدو .. ثم تؤوب بعار الهزيمة"

وسكتت (آمنة) برهة ..
ثم تذكرت ما سمعت عن لقاء ٍ كان ..
بين شيخ مكة وطاغية الأحباش ..

فعادت تسأل عما تم في هذ ذاك اللقاء ..

فأجابها (عبد المطلب) ..

"أجل كان بيننا لقاء
سعى إليه إبرهة ولم أسع إليه..
ذلك أنه حين بلغ مشارف مكة ..
بعث (حناطة الحميري) وقال له ..
اسأل عن سيد أهل هذا البلد وشريفها
ثم قل له إن الملك يقول لك.. إني لم آت لحربكم ..
إنما جئت ُ لهدم هذا البيت ..
فإن لم تعرضوا دونه بحرب .. فلا حاجة لي بدمائكم ..
فإن هو لم يُرِد حربي .. فائتني به"

ثم أكمل الشيخ ..

"وجاءني حناطة .. فابلغني برسالة إبرهة .. وقلتُ له ..
والله ما نريد حربه .. وما لنا بذلك من طاقة ..
هذا بيت الله الحرام .. وبيت خليله إبراهيم عليه السلام..
فإن يمنعه فهو بيته وحرمه ..
وإن يُخلِ بينه وبين إبرهة .. فوالله ما عندنا دفعٌ عنه"
قال حناطة ..

"فانطلق معي .. فإنه قد أمرني أن آتيه بك"
ففعلت ُ .. ومعي بعض أبنائي ..
وهناك .. مضى بي إلى إبرهة أحد رجاله ..

فقال له ...

"أيها الملك .. هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك
وهو صاحب عير مكة
وهو يُطعم الناس في السهل .. والوحوش في رؤوس الجبال"

فأكرمني إبرهة .. أن أجلس دونه ..
وكأنما كره في الوقت نفسه .. أن تراه الحبشة معي على سرير ملكه ..
فنزل عن سريره ..
وجلس على بساطه .. وأجلسني إلى جانبه ..

ثم قال لترجمانه ..

"قل له .. ما حاجتك ؟"

فقلتُ.. حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي..

فبدا على الملك كأنما صغرتُ عنده .. وخيبتُ ظنه فيّ..

فقال لترجمانه في جفوة ..

"قل له .. قد كنت َ أعجبتني حين رأيتك .. ثم قد زهدتُ فيك حين كلمتني ..
أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك .. وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك لاتكلمني فيه؟

فقلت على الفور ..

"إني أنا رب الإبل .. وإن للبيت ربٌ يحميه .."

فقال إبرهة متفاخرا .." ما كان ليمتنع مني ..!"

أجبته .. "أنت وذاك" ..

وكان معي سيد هذيل ..
فعرض على إبرهة ثلث أموال تهامة .. على أن يرجع ولايهدم البيت ..
فأبى متكبرا .. وأكتفى بأن أمر برد إبلي إليّ ..

وانصرفنا .. فحدثتُ قريشا بالخبر .. وأمرتهم بالخروج من مكة ..
ثم قمت ُ وأخذتُ بحلقة باب الكعبة ..
وقام معي نفر من قريش .. يدعون الله ..
ويستنصرونه على إبرهة وجنده ..

وقلت ُ ..

إلاهُمّ (اللهم) إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك
جروا وجموع بلادهم .. والفيلَ .. كي يسبوا عيالك
إن كنت َ تاركهم وكعبتنا .. فأمرٌ ما بدا لك ؟
يارب .. لا أرجو لهم سواكا
يارب .. فامنع منهم حِماكا
إن عدو البيت ِ من عاداكا
امنعهمو أن يخربوا فناكا ..

فرددت آمنة من بعده ... يارب .. لاأرجو لهم سواكا ..

وودعها الشيخ وخرج ..
على أن يبعث إليها في غد .. من يصحبها في خروجها ..
لتلحق بالجمع الراحل ..

وبقيت آمنة.. مختلية بنفسها .. تفكر في الجنين الغالي ..
الذي قاربت أن تضعه ..
فعز عليها أن تلده بعيدا عن البلد الحرام ..
وفي غير دار أبيه عبد الله ...

وكان هذا الخاطر يقلق مضجعها .. ويسهر ليلتها ..
لكنها أوت إلى فراشها .. وما يتخلى عنها إيمانها ..
بأن الله مانع بيته ..
ومتى كان للطاغين والجبابرة على البلد الحرام .. سبيل ؟!

نامت (آمنة) مطمئنة .. حتى انبلج الصبح ..
وهي تتمنى ألا تبرح مكانها من جوار الحرم ..
إلى أن يقضي الله أمره ..

وارتفعت شمس الضحى .. دون أن يأتي من قومها أحد ..!!

ثم مضى النهار إلا أقله .. وهي في عجب .. !

لِمَ لم يبعث عبد المطلب رسوله إليها؟

وفيم هذا الصمت المريب الذي يخيم على أحياء مكة..
كأنما قد أمسك كل حي فيها أنفاسه؟!

ثم تناهى إليها من بعيد .. من أقصى الجنوب..
ضجيج مبهم مختلط ..
لاتكاد تميزه .. أ هتافٌ هو ودعاء .. أم صراخ وعويل ؟!

إلا أن وراء ذلك كله أمرا ..
وأقامت السيدة (آمنة) تترقب ..
حتى إذا آذنت الشمس بمغي ..
جاءتها الرسل من قومها تسعى .. لا لتطلب إليها الخروج إلى شغف الجبال..
ولكن لتبشرها بالنجاة ..

فقالوا لها ..
إن (أبرهة) كان قد تهيأ لدخول البلد الحرام ..
وهيأ فيله وعبّى جيشه مجمعا لهدم البيت العتيق ..
ثم الانصراف لى اليمن ..
فلما وجهوا الفيل من معسكره في ظاهر البلدة من ناحية الجنوب..
برك .. وأبى أن يتحرك ..
فضربوه في رأسه بآلة من حديد ..
ثم أدخلوا محاجن لهم في أسفل بطنه ..
وهو بارك لايقوم ..
فوجهوه راجعا إلى اليمن .. فقام يهرول ..
ووجهوه نحو الشام .. ففعل مثل ذلك ..
ووجهوه إلى المشرق .. فتهيأ للانطلاق ..
ولما عادوا يوجهونه نحومكة .. برك .. !

ثم كان أن سلط الله نقمته على أصحاب الفيل
فانتشر فيهم فجأة وباء مهلك ..
رمتهم بجراثيمه طير أبابيل .. فجعلتهم كعصف مأكول ..
وجُنّوا من خوف ورعب ..



فولوا مدبرين يبتدرون الطريق الذي جاءوا ..
ويسألون عن (نفيل بن حبيب الخثعمي)..
وكان قد خرج مع قومه لقتالهم حين مروا بأرض خثعم ..
فلما أسره أبرهة ..
افتدى نفسه بأن يكون دليل الحبشان بأرض العرب ..

فما كان نفيل يسمع صياحهم وضراعتهم ..
حتى رد عليهم بأعلى صوته ..

أين المفر والإله الطالبُ ؟
والأشرم المغلوب ليس الغالبُ !

ونُسب إليه قول ..

وكل القوم ِ يسأل عن نفيلٍ
كأن عليّ للحبشان ِ ديْنا !

فخرجوا يتساقطون بكل طريق
ويهلكون بكل مهلك على كل منهل ..
وأبرهة معهم ينتثر جسمه وتسقط أنامله أنملة أنملة ..

ولم تكن أرض ارب قد شهدت الحصبة والجدري..
قبل ذاك العام المشهود ...

وأقبلت قريش على كعبتها المقدسة تطيف بها حامدة شاكرة
وتجاوبت أرجاء البلد الأمين بدعوات المصلين .. وأناشيد الشعراء ..

وبلغت الأصداء مسمع الحبيبة (آمنة)..
فقامت تصلي وقد أشرق وجهها بنور اليقين والإيمان..
وأحست بغبطة غامرة أن استجاب الله لدعائها ..
فلم يكتب لولدها (ابن عبد الله) الولادة بعيدا عن البلد الحرام
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:48

لم تكُ إلا فترة قصيرة المدى بعد يوم الفيل
حتى ذاعت بشرى المولد ..
حدد قوم هذه الفترة بخمسين يوما .. وهو الأكثر والأشهر ..

وكانت الرؤى قد عاودت (آمنة).. في صدر ليلة مقمرة من ليالي ربيع ..
وسمعت من يهتف بها من جديد .. أنها توشك أن تضع سيد هذه الأمة ..
ويأمرها أن تقول حين تضعه ..

"أعيذه بالواحد من شر كل حاسد"

ثم تسميه .... "محمدا"..

وجاءها المخاض في أوان السحر من ليلة الاثنين
وهي وحيدة في منزلها ليس معها أحد سوى جاريتها ..
فأحست ما يشبه الخوف ..
لكنها ما لبثت أن شعرت بنور يغمر دنياها ..

ثم بدا لها كأن جمعا من النساء يحطن بمضجعها ويحنون عليها ..
فحسبتهن من بنات هاشم ..
وعجبت كيف علمن بأمرها وما أخبرت به من أحد
غير أنها أدركت على الفور .. أن هؤلاء اللواتي حسبتهن من نساء البيت الهاشمي ..
لسن سوى أطياف سارية ..
وخيل إليها أن من بينهن ..
"مريم ابنة عمران .. وآسية امرأة فرعون .. وهاجر أم إسماعيل" !

ولقد زايلها كل ما كانت تحسه من خوف..
فتجلدت للحظة الحاسمة ..
وما كاد نور الفجر ينبثق .. حتى كانت قد وضعت وليدها ..
كما تضع كل أنثى من البشر ..

وتقول (أم عثمان بن أبي العاص)..

"فما من شيء أنظر إليه من البيت إلا نوّر ..
وإني لأنظر إلى النجوم تدنو مني
حتى إني لأقول .. لتقعنّ عليّ"

وحسبنا أنه ..

ولد الهدى فالكائنات ُ ضياءُ - وفم الزمان تبسّمٌ وثناءُ
الروح ُ والملأ الملائكُ حوله ُ - للدين والدينا به بشراء ُ
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي - والمنتهى والدرةُ العصماءُ

وتوارت الأطياف النورانية السارية
حين لم تعد (آمنة) وحدها ..
كان ولدها إلى جانبها يملأ الدنيا حولها نورا وأنسا وجمالا..
ومضت ترنو إلى طلعته البهية وكيانه اللطيف المشرق ..
وتذكر به الحبيب الذي أودعها إياه .. ثم رحل ..

ولما انبلج الصبح ..
كان أول ما فعلته الوالدة .. أن أرسلت إلى (عبد المطلب)..
تبشره بمولد حفيده ..
فأقبل مسرعا ..
وانحنى في حنو على الوليد .. يملأ منه نظره ..
وقد ألقى كل سمعه إلى (آمنة)..
وهي تحدثه عما رأت وسمعت حين الوضع ...

ثم حمل حفيده العزيز بين ذراعيه في رفق ..
وانطلق خارجا حتى أتى الكعبة ..
فقام يدعو الله ويشكر له أن وهبه ولدا .. من ابنه الفقيد الغالي ..

وكان يردد ..

الحمد لله الذي أعطاني
هذا الغلام الطيب الأردان ِ
قد ساد في المهد ِ على الغلمان ِ
أعيذه بالبيت ذي الأركان ِ
حتى أراه بالغ البنيانِ
أعيذه من شر ذي شنآنِ
من حاسد مضطرب العنان ِ

ثم رده إلى أمه
وعاد لينحر الذبائح
ويطعم أهل الحرم وسباع الطير ووحش الفلاة ..
وكانت مكة حين ذاعت فيها بشرى المولد ..
ما زالت تحتفل بما أتاح الله لها من نصر على أصحاب الفيل ..
فرأى القوم في مولد "محمد" ..آية تذكر بأخرى ..
يوم اختير أبوه للنحر .. ثم افتدي بالإبل المائة ..

وبلغ من غبطة البيت الهاشمي بالمولود العزيز ..
أن (ثوبية الأسلمية) جارية عمه (عبد العزى بن عبد المطلب)
الملقب .. بـ أبي لهب ..
لم تكد توافي سيدها ببشرى المولد .. حتى اعتقها .. !
ولو قد كشف له الحجاب عن الغد المغيب ..
لروعته رؤية دوره في الحرب الدامية..
التي قدر لقريش أن تصلاها بعد أربعين عاما ..
عندما جاءها الهاشمي اليتيم .. برسالة الإسلام ..

ونختم هذه المداخلة بقصة ..
حين أعطى كفار قريش الشاعر حسان بن ثابت مبلغاً من المال وذلك قبل إسلامه
ليهجوَ النبي صلى الله عليه و سلم...

فوقف حسان على ربوة..
ينتظر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يأتي..
لينظر إلى صفةٍ من صفاته فيهجوه بها

و مرّ الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم

فلما رأه حسان رجع إلى قريش فرد لهم المال..

و قال هذا ... مالكم ليس لي فيه حاجه..
و أما هذا الذي أردتم أن أهجوهُ
اللهم إني أشهدك أني أشهد أنه رسول الله..!

فقالوا... ما دهاك ما لهذا أرسالناك

فأجابهم بقوله :

لما رأيتٌ أنواره سطعت - وضعتٌ من خيفتي كفي على بصري
خوفاً على بصري من حسن صورته - فلست أنظره إلا على قدري
روحٌ من النور في جسم من القمر - كحليةٍ نسجت من الأنجم الزهر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:49

الرضيع المبارك



أحست السيدة (آمنة) بعد أن وضعت وليدها
أن الشطر الاهم من رسالتها قد انتهى .. بمولد ابنها المبشّر بأنه سيد الأنام ..
كما انتهت رسالة أبيه (عبد الله) .. منذ أن أودعه جنينا في أحشاءها ..
فأسلمت نفسها من جديد لأشجان الذكرى ..
إلى حد أثر في صحتها ..
وإن لم يُفض بها إلى التلف.. أو قريب منه ..

ذلك أن جزءا من رسالتها لم ينته بعد ..
فما يزال عليها أن ترعى ولدها حتى يبلغ معها السعي ..
فتحدثه عن أبيه .. ثم تصحبه إلى يثرب ..
حيث يزوران قبر فقيدهما الغالي ..

وأقبلت الأم على صغيرها ترضعه ...
لكن لبن (آمنة) جفّ بعد أيام .. وقد يكون ذلك لما أصابها من الحزن ..
الذي لم يكن لينتهي من نبع فؤادها ..

ثم لم تمض إلا أيام معدودات ..
حتى وفدت المراضع من بني سعد بن بكر .. يعرضن خدماتهن..
على نساء الطبقة الموسرة من قريش ..

فعُرض عليهن (محمد بن عبد الله) ..
فتركوه لكونه يتيما ..
مؤثرات عليه أطفال الأحياء ممن يرجى منهم الخير الوافر ..
وكانت من هؤلاء المرضعات .. السيدة (حليمة السعدية) ...

إذ خرجت (حليمة) من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه..
في نسوة من بني سعد بن بكر .. وكانت سنة شهباء لم تبق لهم شيئا ..
وكان معهم ناقة مسنة ليس لها لبن ..
دون أن يناموا ليلتهم بسبب الجوع ..

ولما وصلوا إلى مكة ..
لم تبق امرأة قدمت معها إلا وأخذت رضيعا .. إلا (حليمة)
فلما أوشكت على الرحيل ..
قالت لزوجها ..

"والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا
والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه"

فقال زوجها ..

"لاعليك أن تفعلي .. عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة"

فذهبت (حليمة) إلى الرضيع (محمد) فأخذته..
فلما وضعته في حجرها .. بدأ اللبن يدر منها ..
فشرب (محمد) حتى روي .. وشرب معه أخوه حتى روي..
ثم ناما ..

وقام بعدها زوج (حليمة) إلى تلك الناقة المسنة
فوجدها مليئة باللبن ..
فحلب منها ما شرب .. وشربت (حليمة)..
فباتوا بخير ليلة ..

فقال زوجها لها في الصباح ..

"تعلمي والله يا حليمة .. لقد أخذتِ نسمة مباركة!"

قالت ...

"والله إني لأرجو ذلك .. "

ثم خرجت (حليمة) وركبت الحمار الهزيل الذي أتت به ..
وحملت (محمدا) معها ..
فسبقت حمير صويحباتها .. فقلن لها ..

"يا ابنة أبي ذؤيب .. ويحكِ !
أليست هذه أتانك التي كنتِ خرجتِ عليها؟"

قالت ..

"بلى والله إنها لهي هي"

فيقلن ..

"والله إن لها لشأنا ..!"

ثم وصلت (حليمة) وعائلتها منزلها في بلاد بني سعد ..
وما تعلم أرضا من أرض الله أجدب منها ..
فكانت غنم (حليمة) شباعا لبنا ..
فتحلب العائلة وتشرب .. ولايحلب إنسان غيرهم قطرة لبن ..
حتى كان الحاضرون من القوم يقولون لرعيانهم ..

"ويلكم .. اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب!"

فتروح أغنامهم جياعا وتأتي جياعا ..
وتروح أغنام (حليمة) جياعا .. وتعود شباعا لبنا .. !

فلم تزل (حليمة) وعائلتها تتعرف من الله الزيادة والخير ..
حتى مضى على ذلك عامين ..

ثم آن الأوان ..
فعادت (حليمة) بالطفل إلى أمه .. آمنة .. التي كانت في شوق إليه ..

لكن (آمنة) .. فوجئت بـ (حليمة) تقول لها ..

"لو تركتِ بُنيّ عندي حتى يغلظ.. فإني أخشى عليه وباء مكة"

فأنكرت الأم الحنون ما سمعت ..
ونظرت إلى (حليمة) نظرة عتاب ...
فكيف خطر لها أن (آمنة) تستطيع أن تفارقه للمرة الثانية ..
وهو فلذة كبدها ونور عينيها وأنس دنياها ؟!

لكن (حليمة) لم تيأس .. ولم تتراجع ..
بل ألحت في أخذ الصبي ...
متوسلة إلى والدته ..
ومؤكدة لها أن من الخير لولدها أن يظل بعيدا عن مكة..
وأن يعود معها فيسرح في البادية ملء الصحة والانطلاق .. !

وعادت الأم تنظر إلى ابنها ..
فتراه حقا قد أينع في جو البادية النقي الطليق..
وحملها قلبها النابض بالإيثار .. على مزيد من الاحتمال والتصبر ..
في سبيل ما تعلم حقا أنه انفع لولدها .. وأفضل..

فودعت (آمنة) ولدها للمرة الثانية ..

وانطلقت به (حليمة) راجعة إلى مراعي بني سعد
والدنيا لا تكاد تسعها من فرط غبطتها وفرحها ..
إذ كانت شديدة الحرص على مكثه فيهم .. لما رأوه من بركته ..

لكن لم تمض إلا بضعة أشهر ..
حتى عادت (حليمة) من تلقاء نفسها بالصبي المبارك إلى أمه..
وهي بادية القلق ..

فسألتها (آمنة)...

"ما أقدمك به يا ظئرُ وقد كنتِ حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟"

قالت (حليمة)..

"قد بلغ الله بابني .. وقضيتُ الذي علي..
وتخوفت الأحداث عليه .. فأديته إليك كما تحبين"

لكن جوابها .. لم يقنع (آمنة) ..
فسألتها مرة ثانية عن صحة الخبر ..

فقالت (حليمة)..

"فوالله انه بعد مقدمنا به بأشهر ..
وكان مع أخيه بالرضاعة لفي بهم لنا خلف بيوتنا
إذ أتانا أخوه يشتد .. فقال لي ولأبيه ..
ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض
فأضجعاه .. فشقا بطنه .. فهما يسوطانه..
فخرجتُ أنا وأبوه نحوه .. فوجدناه قائما ممتقعا وجهه
فقلنا له .. مالك يا بني ؟
قال.. جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني..
فالتمسا شيئا لا أدري ما هو ..
فرجعنا به إلى خبائنا ..
وقال لي أبوه .. ياحليمة .. لقد خشيتُ أن يكون الغلام قد أصيب..
فألحقيه باهله قبل أن يظهر ذلك به ..
فاحتملناه فقدمنا به .. والله إنا لا نرده إلا على جدع أنفنا"

وأصغت الأم (آمنة) إلى القصة .. دون أن يبدي عليها بادرة خوف أو قلق..
حتى فرغت (حليمة) من حديثها ..

فقالت لها (آمنة).. أ فتخوفتِ الشيطان؟

أجابت (حليمة).. نعم ..

قالت (آمنة)..

كلا والله .. ما للشيطان عليه من سبيل ..
وإن لبنيّ لشأنا.. أ فلا أخبرك خبره؟

فوافقت (حليمة) وكلها آذان صاغية ..

فحدثتها (آمنة) بما رأت وسمعت .. حين حملت به ..
ثم قالت لها ..

"دعيه عنك وانطلقي راشدة"

فتذكرت (حليمة) شيئا مهما كان قد غاب عنها..

قالت ..

"الآن فهمت ما لم أفهمه من قبل ..
ذلك أن نفرا من نصارى الحبشة رأوا ابني محمدا معي..
حين رجعتُ به بعد فطامه ..
فنظروا إليه وسألوني عنه ..
وفحصوه مليا ثم قالوا .. لنأخذن هذا الغلام فلنذهب به إلى ملكنا وبلدنا..
فإن له شأنا نحن أدرى به وأعرف..
فاختطفته منهم .. وقد هاجني ذلك على رده إليك ِ..
وهممت أن أفعل ..
لولا أن مضارب بني سعد كانت أقرب إلي منك ِ
ولم أشعر بالاطمئنان حتى دخلتُ به إلى الحِمى"

ثم استعادت (حليمة) ذكرى بعيدة .. كانت قد نسيتها لطول المدى ..
فقالت ..

"وأذكر كذلك يوم انطلقت بولدي محمد من مكة لأول مرة
فمر بي اليهود فسألتهم .. ألا تحدثوني عن ابني هذا ؟
وسردت ُ لهم ما لقيت من بركته ..
فما راعني إلا ان قال بعضهم لبعض .. اقتلوه !
ثم سألوني .. أ يتيمٌ هو ؟
قلت وأنا أشير إلى زوجي: لا هذا أبوه وأنا أمه ..
فقالوا: لو كان يتيما لقتلناه !

ولكن .. لأن الله غالبٌ على أمره ..
كانت إرادته .. أن يحمي الرضيع هذا تحديدا .... من كل سوء ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:50

سفر إلى يثرب



ولنعد إلى (آمنة) وهي تحتضن وليدها اليتيم.. بعد أن عاد إليها مكملا أعوامه الست ..
فرحة به وهو يعيش في البلد الحرام .. حيث مجد آبائه العريق .. والبيت العتيق ..

عاد الصبي .. فبدد بنوره ظلال الكآبة التي كانت تغشى دنيا أمه ..
في وحدتها وترملها الباكر ..

ونحسبها لم تكف تحدثه عن والده الغائب ..
ووصف شمائله .. ورواية قصة فدائه .. وما كان معقودا من آمال كبار ..

وقد بذلت الأم لولدها في تلك الفترة .. غاية ما يرجى من عناية ورعاية ..
فهو وحيدها ومناط املها .. ومعقد رجائها ..

فكان (محمد) .. مع أمه (آمنة بنت وهب) ..
في كلاءة الله وحفظه .. ينبته الله نباتا حسنا ..

وأثمرت العناية ثمرتها ..
فبدت على (محمد) بوادر النضج المبكر ..
ورأت فيه أمه عندما بلغ السادسة من العمر ..
مخايل الرجل العظيم ... الذي طالما تمثلته ..
ووُعدت به في رؤاها ..

وبعد فترة .. أدركت الأم الحنون ..
أن هنالك واجبا مفروضا .. عليها أن تؤديه ..
فحدثت ابنها (محمد) .. على قبر أبيه .. الحبيب الثاوي في يثرب ...

وهش الابن لفكرة السفر
وسره أن يصحب أمه في زيارتها لمثوى فقيدهما ..
وان يتعرف في الوقت نفسه .. إلى أخوال أبيه المقيمين بيثرب ..
وكانوا ذوي شرف هناك .. وجاه عريق ..

وكان من هؤلاء الأخوال .. (أبي وهب بن عمرو) ..
خال جده (عبد المطلب) ...
فهو من تصدى لقريش حين أجمعت على تجديد بناء الكعبة ..
فقال لهم ..

"يا معشر قريش ...
لاتدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا
لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس"

وكان الجو صيفا ..
والشمس تلهب صخور مكة وتصهر رمالها ..

وحين بدأت (آمنة) تتهيأ لرحلة طويلة شاقة
تجتاز بها الأميال المائتين التي تفصلها عن يثرب ..
حيث يرقد في ثراها (عبد الله) .. الذي ودعها من نحو سبع سنين ...

ولم تكن (آمنة) تجهل مشقة السفر .. عبر الصحراء القاحلة ..
ولم يغب عنها ما يتكبده المضاربون في أحشاء البيداء ..
بسهولها الموحشة وقفرها المرهوب ..
لكن شوقها إلى زيارة يثرب .. كان اقوى من أن تغلبه عقبات سفر ..

ولقد شُغلت (آمنة) بتجهيز راحلتها وإعداد مئونة الطريق ..
ثم زودت ناقتها بهودج من أغصان مجدولة ..
ذي مظلة مرفوعة تحجب الشمس عن الابن العزيز ..

وأقامت بعد ذلك تنتظر أول قافلة تخرج من مكة نحو الشمال ..
في رحلة الصيف الموسمية ..

فلما أذن المؤذن بالرحيل .. ضمت إليها ولدها ..
تصحبهما الجارية الوفية .. (بركة أم أيمن)..

وألقت (آمنة) نظرة وداع على دار عرسها .. التي جمعتها بـ (عبد الله)..
ووضعت فيها من بعده ولدهما الوحيد ..
ثم عرجت على الحرم فطافت به داعية ..
وانفلتت من بعد ذلك نحو الشمال .. حيث كانت القافلة تتهيأ للتحرك ..
وقد علا رغاء الإبل مختلطا بضجيج المسافرين ودعاء المودعين ..

وتحركت القافلة ..

وبعد فترة من السفر ..
تراءت لها (يثرب) أشبه بواحة خضراء ..

وشارفت الرحلة منتهاها ..
فجمعت (آمنة) نفسها واقبلت على ولدها تحدثه من جديد عن أبيه..
ثم تغريه بأن يتطلع معها إلى المدينة البيضاء ..
التي بدأت تتكشف من وراء جبل أحد ..

ثم أناخ الركب رواحله في (يثرب) .. وأستأنف مسيره شمالا..
بعد أن ترك (آمنة) وولدها وجاريتها في حِمى (بني النجار)...

وأخذت (آمنة) ولدها (محمد) ... بعد أن انتهى وقت الراحة ..
ليزورا قبر (عبد الله) ..

ثم تركت (محمدا) يلعب ويمرح مع أولاد الخال ..
ويتعلم السباحة معهم في مجامع المياه ..
وبقيت هي على قبر الحبيب .. تناجيه حينا وتبكيه أحيانا ..
وهي على الحالين راضية مستروحة ..
تجد من الأنس بقرب الفقيد ما يريح شجونها ..

وطاب لهما العيش شهرا كاملا ..
نفّست فيه عن حزنها المكبوت ..
وأسعفت عيناها بما شاءت من دمع ..
وتمتع ولدها بالجو اللطيف .. بصحبة رفاقه الصبيان ..

ولايدري أحد ..
كيف أمضت (آمنة) ليلتها الأخيرة .. قبل أن تشد رحالها عائدة إلى مكة ..
لكن لابد أنها انتزعت أنفسها قسرا من ذلك الجو المعطر بالذكرى ..
وودعت مضيفيها شاكرة لهم حسن ترحابهم ..

ثم تكلّفت الصبر .. وودعتهم مجاملة ..
والناقة تمضي بها وبمن معها إلى مكة .. بلا حداء شجي ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:51

وبينما كان المسافرين الثلاثة في بعض مراحل الطريق بين البلدتين ..
هبت فيما يقال .. عاصفة عاتية هوجاء ..
أخذت تسفع المسافرين بريحها المحرقة ..
وتثير من حولهم الرمال كأنه الشرر الملتهب ..
فتأخرت الرحلة أيام ريثما هدأت العاصفة وسكنت ثائرتها ..
ثم استأنف الركب سيره ..

لكن (آمنة) ... شعرت بضعف طاريء ..
مكّن له من جسمها بسبب ضعفها النفسي والصحي ..
ولأن ذاك .. بالأساس... كان مراد الله ... والله غالبٌ على أمره ...

ولم يجزع الصبي (محمد) أول الأمر .. لما بدا على أمه من إعياء ..
بل رجا أن تزايلها وعكتها بعد أن هدأت العاصفة ..
أما (آمنة) .. فأحست أنه الأجل المحتوم ..

وبعد سويعات ... اختفى صوت (آمنة)..
وذاب نفسها في سكون العدم .. فما تكلمت بعدها أبدا ..

وخيم على الكون صوت رهيب
مزقته بعد حين صرخة صبي مفجوع..
انحنى على جثة أمه في العراء يناديها .. فلا تلبي نداءً ..

والتفت إلى (أم أيمن) يسألها عن سر هذه الحياة التي انطفأت..
والجسد الذي همد وبرد ..
والصوت الذي فني وذاب ..
فضمته المسكينة إلى صدرها .. ولم تملك إلا أن تقول ..

"إنه الموت يا بني!"

الموت ....!

ذاك الذي غال أباه من قبل ؟

ذاك الذي جرع أمه كأس الترمل ..فما طاب لها عيش لسبع سنين طوال ؟!

ذاك الذي طوى الأعزاء في جوف الثرى ..فلا رجعة بعد ولا لقاء ؟!

ذاك الذي يمضي بالمسافر إلى حيث لا عودة ولا مآب؟!

نظر الصبي (محمد) إلى أمه .. وجلس قريبا منها..
يحدق فيها صامتا واجما .. عاجز الحيلة ..

على حين أخذت (أم أيمن) تلف الجسد الراقد
وتعصب الوجه الذابل ..
وتغمض العينين المنطفئتين ..

ثم تبع (محمد) تلك الخالة .. وهي تحمل الجثة إلى قرية الأبواء ..
حتى إذا أوشك الثرى أن يغيبها ..
اندفع وحيدها اليتيم نحوها .. يريد البقاء معها ..

وعلا نحيب القوم من إشفاق وتأثر ..
وخلوا بينه وبين أمه ساعة أو بعض ساعة ..
ثم نحّوه عنها في رفق .. وأضجعوها في لحدها ..

ثم هالوا عليها الرمال ...

صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:55

عودة اليتيم



وجمت أرياض (مكة) وهي تشهد الصبي الحزين ..
الذي غادرها مع أمه منذ شهر ونيف .بادي الغبطة والتهلل والإشراق ..
ليعود إليها اليوم وحيدا مضاعف الُيتم .. قد ذاق الحزن المر ..
ورأى بعينه مشهد الموت في أعز من له ..

وسوف تذكر مكة ... عودة الصبي (محمد) هذه ..
يوم يخرج منها بعد نحو نصف قرن .. تحت جنح الظلام ..
مهاجرا بدينه الجديد إلى يثرب ..
في صحبة شيخ صديق ...
وقريش من ورائه تعدو في أثره ..
وتلح في طلبه ..

وكذلك سوف تذكر مكة .. عودة الصبي اليتيم هذه ..
يوم يرجع إليها من دار هجرته .. عام الفتح ..
ويدخلها ظافرا منتصرا .. ليحطم الأصنام التي شوهت جلال الحرم ..

وليهتف من أعلى البيت...

"الله أكبر"

فترجّع أرجاء الجزيرة هذا الهتاف الغالي ..
ثم تتجاوب به آفاق الأرض.. على مر العصور والأجيال ..

ذكرى باقية



إلى هنا .. تنتهي حياة السيدة (آمنة) على سطح الأرض..
وينصرف عنها التاريخ حينا .. ليعود بعد نحو 34 عاما ..
فيفسح لها أعز مكان في كتاب الخلود ..
أمّا للنبي .. الذي تركته وحيدا يتيما في بادية الحجاز ..
بين يثرب وأم القرى ..

ولقد عاشت أول ما عاشت .. ملء قلبها ولدها العظيم ..
يخفق لذكراها ويرق له رقة تثير الشجن .. وتستدر عصي الدمع..

ولقد تلقاه جده (عبد المطلب) بعد وفاتها ...
وضمه إليه مسبغا عليه من عطفه وحنانه...مالم يسبغ مثله على ولده ..
فكان يقربه منه ويدنيه .. ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام في فراشه ..

وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة
فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه ..
لا يجلس عليه أحد منهم إجلالا له ..
فيأتي الغلام (محمد) حتى يجلس عليه ..
فيهّمُ أعمامه بأن يؤخروه عنه ..
فينهاهم عبد المطلب قائلا .. دعو ابني ..
ثم يجلس معه ويمسح ظهره بيده ..

لكن شيئا من هذا كله .. لم يُنسه ذكرى يتمه المُر ..
ولم يمح من خاطره مشهد أمه الغالية ..
وهي تموت بين يديه في الصحراء ..

فإنه (صلى الله عليه وسلم) بعد النبوة ..
لما مر بالأبواء في عمرة الحديبية ..
حين أذن الله لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في زيارة قبر أمه ..
فأتاه .. وأصلحه .. وبكى عنده .. وبكى المسلمون لبكائه ..
فقيل له في ذلك ..
فقال ..

"أدركتني رحمتُها .. فبكيت "

ويذكر عبد الله بن مسعود ...
أنه خرج فيهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوما ..
حتى انتهوا إلى المقابر ..
فأمرنا فجلسنا ..
ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها ..
فجلس إليه ... فناجاه طويلا ..
ثم ارتفع صوته ينتحب باكيا ..
فبكى القوم لبكاءه (صلى الله عليه وسلم)..

ثم أقبل إليهم (صلى الله عليه وسلم) عائدا ..
فتلقاه عمر (رضي الله عنه) فقال له ..

"ما الذي أبكاك يارسول الله فقد أبكانا وأفزعنا؟"

فأخذ (صلى الله عليه وسلم) بيد عمر ..
ثم أومأ إلى القوم .. فأتوه ..
فقال لهم ..

"أفزعكم بكائي"

قالوا .. نعم يارسول الله ..

فأعاد ذلك مرتين .. أو ثلاث ..

ثم قال ..

"إن القبر الذي رأيتموني أناجيه .. قبر أمي آمنة بن وهب ..
وإني استأذنت ربي في زيارتها .. فأذن لي"

وهكذا شدته الدنيا يلتفت إلى تلك البقعة المهجورة حيث مضجع أمه ..
ويرنو إليها بقلبه على تطاول المدى وتنائي الأبعاد ..

ولقد عرفت قريش منه ذاك .. حين أعلنت عليه الحرب بعد النبوة ..
حتى إن (هند بنت عتبة) حين مرت بالأبواء في جيش المشركين ..
المتجه إلى المدينة ليثأر لقتلى بدر ..
لم تر ما تؤذي به بطل الإسلام .. أقسى من نبش قبر أمه (آمنة)..
فقالت لزوجها (سفيان بن حرب)..

"لو بحثتم قبر آمنة أم محمد فإنه بالأبواء
فإن أسر أحدكم منكم .. افتديتم كل إنسان بإرب من آرابها!!"

لكن أبا سفيان لم يكد يذكر ذلك لقريش
حتى أخذ منها الفزع كل مأخذ..
فصاحت بالرجل ...

"لاتفتح علينا هذا الباب"

وكأنما روعها تمثل غضبة ابن آمنة والمسلمين .. للفعلة النكراء ..
وانصرفت قريش عن القبر .. دون أن تجرؤ للعبث به ...

ولم ينس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد النبوة في حياتها ..
طيف أمه .. وذكريات طفولته ..
فعندما هاجر إلى المدينة .. مضى يطوف في طرقاتها ..
ويستعيد مواقف حدثت له هناك ..

فقال حين رأى دار عدي بن النجار ..

"... ها هنا نزلت بي أمي..
وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله .... "

ولما رأى أطم (بن عدي) .. رق قلبه فقال ..

"كنت ألعب مع أنيسة - جارية من الانصار - على هذا الأطم..
وكنت مع غلمان من أخوالي ..
وأحسنت العوم في بئر بني عدي من النجار"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 10:58

طيف (آمنة) الذي لايغيب



قبل أن نكمل سائر القصة ..
سنحاول - ولو قليلا - أن نستشرف من خبايا المستقبل ..
الذي خصه محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم).. لنفسه كإنسان..

فلقد طوى الغالية (آمنة) الثرى .. قبل أن يستكمل ولدها الوحيد ..
عامه السابع ..
لكن .. بقي طيفها العزيز يصحبه ما عاش ..
وبقيت ذكراها تراوحه حيثما ذهب .. وأنّى أقام ..
فتستثير فيه أعمق عواطف البر والرحمة ..
وترتفع بالأمومة عنده إلى المقام الأسنى .. الذي لايطاوله مقام ..

تعالوا فلنتعرف ...
أين رأى محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) .. طيف أمه (آمنة) ؟

فلقد رآها في مرضعته (ثوبية) مولاة أبي لهب ..
فكان (صلى الله عليه وسلم) يصلها وهو بمكة ..
وكانت السيدة (خديجة) رضي الله عنها تكرمها ..
ولما هاجر (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة .. ظل يبعث إليها بصلة وكسوة..
إلى أن جاء خبر وفاتها سنة 7 هـ .. عند مرجعه من خيبر ..
فلما دخل مكة ظافرا بعد ذلك بعام ..
لم ينس في غبطته بالفتح الأكبر .. أن يسأل بمكة ..

"ما فعل ابنها مسروح ؟"

فقيل له .. مات قبلها .. ولم يبق من قرابتها أحد ..

كما رأى (صلى الله عليه وسلم) طيف أمه (آمنة) ..
بحاضنته الحبشية التي رافقته وأمه في رحلتهما إلى يثرب .. (بركة أم أيمن)..
وشهدت معه وفاتها بالأبواء ..
فعاش (صلى الله عليه وسلم) لايرى (أم أيمن) .. حتى يرق قلبه لذكرى (آمنة)..
فيقول ..

"هي أمي بعد أمي"

ورأى (صلى الله عليه وسلم) طيف (آمنة).. في شخص (حليمة السعدية)..
المرأة التي أرضعته في ديار بني سعد ..
فيحدثنا أبي الطفيل .. رضي الله عنها ..

"أنه لما كان (صلى الله عليه وسلم) يقسم لحما بالجعرانة
وأنا يومئذ غلام أحمل عظم الجزور ..
إذ أقبلت امرأة دنت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)..
فبسط لها ردائه ..
فجلست عليه ..
فقلت ُ .. من هي ؟
فقالوا .. هذه أمه التي أرضعته"

وفي السنة الثالثة للهجرة ..
حين انصرف (صلى الله عليه وسلم) من غزوة الطائف منتصرا ..
ومعه سبي من هوازن .. 6000 من الذراري والنساء ..
وما لايُدرى عدته من الإبل والشاه ..
أتاه وفد هوازن ممن أسلموا .. فقال أحدهم ..

"يارسول الله .. إنما في الحضائر عماتك وخالاتك وحواضنك"

وكانت حليمة السعدية من بني سعد بن بكر من هوازن ..

فلمست ضراعتهم قلبه الكبير ..
واستجاب لمن استشفعوا بالأم التي أرضعته ..
فقال لوفد هوازن .. وطيف (آمنة) يباركه ..

"أما ما كان لي ولبني عبد المطلب .. فهو لكم
وإذا أنا ما صليتُ الظهر بالناس ..
فقوموا فقولوا .. إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين
وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا..
فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم ...."

فلما صلى رسول الله بالناس الظهر ..
قام رجال هوازن فتكلموا بالذي أمرهم به ..

فقال (صلى الله عليه وسلم) ..

"أما ما كان لي ولبني عبد المطلب .. فهو لكم"

فقال المهاجرون .. وما كان لنا فهو لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

وقال الأنصار .. وما كان لنا فهو لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

وتردد بعض القبائل مثل تميم وفزارة ..
فلما رأى (صلى الله عليه وسلم) ترددهم .. قال ..

"أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي
فله بكل إنسان ست فرائض من أول غنم ٍ أصيبه"

فردوا إلى هوازن أبنائها ونساءها ..
لأن فيهم حواضن الرسول وعماته وخالاته من الرضاعة..

كما تمثل طيف (آمنة) .. في شخص (فاطمة بنت أسد)
زوج عمه أبي طالب .. التي رعته أيام صباه ..
وكانت له من بعد أمه .. أما ..
ولما ماتت (فاطمة بنت اسد).. ألبسها (صلى الله عليه وسلم) قميصه..
واضطجع معها في قبرها ..
فقال له أصحابه .. ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بها ..
فقال ..

"إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب .. أبرّ علي منها ..
إنما أنا ألبستها قميصي لتُكسى حلل الجنة ..
واضطجعتُ معها في قبرها ليهوّن عليها"و

كذلك .. رأى رسول الله طيف (آمنة) في زوجه (خديجة) رضي الله عنها..
تلك التي سكن إليها منذ بلغ الـ 25 من عمره ..
حتى لحقت بربها قبل الهجرة بثلاث سنين ..
لم يستبدل بها سواها ..
ولم يضم إليه زوجة غيرها حتى ماتت ..
ولانسي لها طول عمره .. ما عوضته من حنان الأمومة ..
الذي افتقده منذ ودع أمه في الأبواء ..

أجل ..

لقد ذكر محمد (صلى الله عليه وسلم) أمه .. في كل هؤلاء ..
وتمثلها في بناته حين كبرن وصرن أمهات ..
ورأى صورتها في كل أم تحنو على ولدها ..
فما عُرف عنه أنه (صلى الله عليه وسلم) أنه كان ينفعل ..
بمثل تلك العاطفة الفياضة التي كان يجدها .. أمام أي مشهد أمومة..

فقالوا ..
أن سبيا قدم على النبي (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة..
فإذا امرأة منهم قد تحلب ثديُها .. فوجدت صبيا في السبي..
فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته..
فقال (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه ..

"أترون هذه طارحة ولدها في النار؟"

قالوا .. لا وهي تقدر ألا تطرحه ..

فقال ..

"الله ارحم بعباده .. من هذه بولدها"

وما أرتاب في أنه (صلى الله عليه وسلم) ..
كان عامر القلب بذكر أمه ..
حين ارتقى بالأمومة إلى ما فوق البشرية ..
فوضع الجنة تحت أقدامها ..
وجعل البِر بها مقدما على شرف الجهاد في سبيل الله والدار الآخرة..

إذ جاءه الصحابي معاوية السلمي.. رضي الله عنه..
يستأذنه في الخروج إلى الجهاد ..
فسأله (صلى الله عليه وسلم)..

"أ حية أمُك؟"

قال .. نعم ..

فأمره أن يرجع إليها .. فيبرها ..

فعاود معاوية استئذانه في الخروج للجهاد ..
فأعاد (صلى الله عليه وسلم) سؤاله عن أمه..
ثم أمره أن يرجع إليها .. فيبرها ..

فلما كانت المرة الثالثة ..
وعاد معاوية يلح في الظفر بشرف الجهاد ..
كرر الرسول الكريم

" أ حية أمُك؟"

قال .. نعم ..

فما كان منه (صلى الله عليه وسلم) إلا أن قال..

"ويحك! الزم رجلها فثمّ الجنة"

وفي رواية .. "فالزمها .. فإن الجنة تحت قدميها"

وإن الإنسانية لتصغي اليوم .. وغدا ..
إلى قوله (صلى الله عليه وسلم) ..

"إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها
فاسمع بكاء الصبي .. فأتجاوز عن صلاتي كراهية أن أشق على أمه"

فلا يغيب عنا ..
أنه كان يتلمّح طيف (آمنة) في تلك المرأة .. صلى الله عليه وسلم ..

أليس هو الذي قال ... بأبي هو وبأمي ..

"لو كنت ُ أدركتُ والداي .. أو أحدهما .. وأنا في صلاة العشاء ..
وقد قرأت فاتحة الكتاب .. تنادي: يامحمد .. لأجبتها: لبيك ِ "

فسلامٌ على (آمنة) ... سيدة الأمهات ..
ووالدة النبي المصطفى .. المبعوث خاتما للرسل والأنبياء ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 11:12

موت الجد الكريم



لما مات (عبد المطلب)..
كان عمر الصبي (محمد).. ثمان سنين ..

وولى زمزم والسقاية من بني المطلب بعده .. العباس بن عبد المطلب..
وهو يومئذ أحدث إخوته سنا
فلم تزلا إليه حتى قام الإسلام وهي بيده ..
فأقره (صلى الله عليه وسلم) على ما مضى ..

وكان (عبد المطلب) فيمابعد .. يوصي ولده (أبو طالب)..
برعاية الصبي (محمد)..

فكان من أشعاره كما يروونها ..

أوصيك يا عبد مناف بعدي - بموحد بعد أبيه فرد ِ
فارقه وهو ضجيع المهد - فكنتُ كالأم له في الوجد
تدنيه من أحشائها والكبد - حتى إذا خفت مداد الوعد
أوصيت أرجى أهلنا للتوفد - بابن الذي غيبته في اللحد
بالكره مني ثم لا بالعمد - فقال لي والقول ذو مرد
ما ابن أخي ما عشت في معد - إلا كأدنى ولدي في الود
عندي أرى ذلك باب الرشد - بل أحمدٌ قد يُرتجى للرشد
وكل أمر في الأمور ود - قد علمت علام أهل العهد

وقال أيضا ..

أوصيتُ من كنيته بطالب - عبد مناف وهو ذو تجارب
بابن الذي قد غاب آئب - بابن أخ والنسوة الحبائب
بابن الحبيب أقرب الأقارب - فقال لي كشبه المعاتب
لاتوصني إن كنتَ بالمعاتب - يثابت الحق علي واجب
محمد ذو العرف والذوائب - قلبي إليه مقبل وائب
فلست بالآيس غير الراغب - بأن يحق الله قول الراهب
فيه وأن يفضل آل غالب - إني سمعتُ أعجب العجائب
من كل حبرٍ عالم وكاتب - هذا الذي يقتاد كالجنائب
من حل بالأبطح والأخاشب - أيضا ومن ثاب إلى المثاوب
من ساكن للحرم .. أو مجانب ..

العم الرحيم .. ورحلة الشام العجيبة



بعد وفاة (عبد المطلب).. كفل الصبي (محمد).. عمه أبو طالب
فأحبه حبا شديدا
فكان لايفارقه ويخصه بالطعام
حتى إن بنيه أذا أرادوا أن يتغدوا أو يتعشوا ..
قال لهم ..

"كما أنتم حتى يحضر ابني"

وفي احدى المرات ..
أراد (أبا طالب) الخروج في ركبٍ إلى الشام تاجرا ..
فلما تهيأ للرحيل ..
وأجمع السير ..
اعترضه الغلام (محمد) ... آخذا بزمام ناقته .. وهو يقول ..

"يا عم .. إلى من تكلني .. لا أب لي ولا أم؟"

فرقّ له (أبو طالب) .. وقال ..

"والله لأخرجن به معي .. ولايفارقني ولا أفارقه أبدا"

فخرج معه .. فلما نزل الركب (بصرى) من أرض الشام ..
وبها راهب يقال له (بحيرا) في صومعة له ..
وكان أعلم أهل النصرانية ..

فلما نزلوا ذلك العام بـ (بحيرا) ..
وكانوا يمرون به من قبل ذلك .. ولايكلمهم ولا يعرض لهم ..
حتى إذا كان ذلك العام .. نزلوا به قريبا من صومعته ..
في ظل شجرة جالسين ..

فلما رأى ذلك (بحيرا) .. نزل من صومعته ..
وقد أمر بالطعام .. فصُنع ..
ثم أرسل إليهم... فقال ..

"إني قد صنعتُ لكم طعاما يامعشر قريش..
وأنا أحب أن تحضروا كلكم .. صغيركم وكبيركم ..
وحركم وعبدكم .. "

فقال رجل منهم ..

"يا بحيرا .. إن ذلك اليوم لشأنا ..
ما كنت َ تصنع هذا فيما مضى..
وقد كنا نمر بك كثيرا .. فما شأنك اليوم؟"

قال ..

"صدقت .. قد كان ما تقول ..
ولكنكم ضيف .. وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما ..
تأكلون منه كلكم صغيركم وكبيركم"

فاجتمعوا إليه ..
وتخلف الغلام (محمد) من بين القوم .. لحداثة سنه..
وبقي في رحالهم تحت الشجرة ..

فلما نظر (بحيرا) في من أتاه من الضيوف ..
لم ير فيهم الصفة التي يعرفها ويطلبها ..
فقال ..

"يا معشر قريش..
لايتخلف أحد منكم عن طعامي هذا"

قالوا ..

"يا بحيرا .. ما تخلف .. في رحالهم"

قال..

"فلا تفعلوا .. ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم "

فقال رجل من قريش..

"واللات والعزى إن هذا للؤم بنا
يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا!"

ثم قام إليه فاحتضنه..
وأقبل به حتى أجلسه مع القوم ..

فلما رآه (بحيرا).. جعل يلحظه لحظا شديدا ..
وينظر إلى أشياء من جسده ..

حتى إذا فرغ القوم من الطعام .. وتفرقوا ..
قام (بحيرا) فقال له ..

"يا إلام .. أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عنه"

فقال الغلام محمد ..

(لا تسلني باللات والعزى شيئا
فوالله ما أبغضت شيئا قط .. بغضهما)

فقال له بحيرا ..

"فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه"

قال الغلام ...

"سلني عما بدا لك"

فجعل يسأله عن أشياء من حاله ..
ومن نومه ..
ومن هيئته ..
ومن أموره ..

والغلام (محمد) يخبره ... فيوافق ذلك ما عند (بحيرا)..
ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه ..
على موضعه ..

فلما فرغ من ذلك ..
أقبل على (أبي طالب) يسأله ..




قال (بحيرا)...

"ما هذا الإلام منك؟"

قال ... ابني ..

قال بحيرا ..

" ما هو بابنك .. وما ينبغي لهذا الإلام أن يكون أبوه حيا"

قال .. فإنه ابن أخي

قال بحيرا ...

"فما فعل أبوه؟"

قال .. مات وأمه حبلى به ..

قال بحيرا ..

"صدقت
ارجع بابن أخيك إلى بلده
واحذر عليه اليهود
فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ماعرفت
ليبغنّه شرا..
فإن كائن لابن أخيك هذا شأن
فاسرع به إلى بلاده"

فخرج بن عمه (أبو طالب) سريعا
حتى أقدمه مكة .. حين فرغ من تجارته بالشام ..

وقيل ...
أن نفرا من يهود أهل الكتاب .. وهم زبيرا وتماما وإدريسا ..
رأوا الغلام (محمد) في رحلته مع عمه (أبو طالب) إلى الشام ..
فأرادوه .. فردهم عنه (بحيرا) .. فتركوه وانصرفوا ..

فقال (أبو طالب) في ذلك الشأن ...

إن ابن آمنة النبي محمدا - عندي بمثل منازل الأولاد
لما تعلق لا زمام رحمته - والعيس قد قلصن بالأزواد
فارفض من عيني دمع ذارف - مثل الجمان مفرق الأفراد
راعيتُ فيه قرابة موصولة - وحفظت فيه وصية الأجداد
وأمرته بالسير بين عمومة - بيض الوجوه مصالت أنجاد
ساروا لأبعد طية معلومة - فلقد تباعد طيه المرتاد
حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا - لاقوا على شرك من المرصاد
حِبرا فأخبرهم حديثا صادقا - عنه و رد ّ معاشر الحسّاد
قوما يهودا قد رأى ما قد رأى - ظل الغمام وعز ذي الأكياد
ساروا لقتل محمد فنهاهم - عنه وأجهد أحسن الاجهاد
فثنى زبيرا بحيرا فانثنى - في القوم بعد تجادل وبعاد
ونهى دريسا فانتهى من قوله - حبر يوافق أمره برشاد

وهذه صور من دير الراهب بحيرا .. في محافظة درعا .. في بصرى الشام







وشب الغلام (محمد) .. والله يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعائبها ..
لما يريد به من كرامته ورسالته .. وهو على دين قومه ..
حتى بلغ أن كان رجلا.. أفضل قومه مروءة
وأحسنهم خلقا
وأكرمهم مخالطة
وأحسنهم جوارا
وأصدقهم حديثا
وأعظمهم أمانة
وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال ..

وفي حديث نبوي عن إسحاق بن يسار ..
قال (صلى الله عليه وسلم) وهو يستذكر تلك المرحلة من عمره ..

"إني لمع غلمان هم أسناني .. قد جعلنا أزرنا على أعناقنا
لحجارة ٍ ننقلها نلعب بها ..
إذ لكمني لاكم لكمة شديدة ثم قال .. أشدد عليك إزارك"

وعن عكرمة .. عن ابن عباس قال..

"بنت قريش البيت
فكنتُ أنقل أنا وابن أخي
فكنا نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة
فإذا غشينا الناس ائتزرنا
فبينما أنا أمشي ومحمد قدامي ليس عليه شيء
إذ خر محمد فانبطح
فألقت حجري وجئت أسعى وهو ينظر إلى السماء فوقه ..
فقلت : ما شأنك ؟
فقام فأخذ ازاره ..
فلبثت أكتمها للناس مخافة أن يقولوا مجنون
حتى أظهر الله عز وجل نبوته"

وعن علي بن أبي طالب يقول ..
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ...

"ما هممتُ بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء
إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله عز وجل فيهما..
قلتُ ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا
فقلت لصاحبي: أتبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر فيها..
فقلتُ : ما هذا ؟
فقيل: تزوج فلان فلانة ..
فجلست أنظر
وضرب الله عز وجل على أذني
فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس
فرجعت ُ إلى صاحبي .. فقال : ما فعلت ؟ ...
ثم أخبرته بالذي رأيت..
ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة
فلما جئت مكة .. سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة.....
وضرب الله على أذني ..
فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس
فرجعتُ إلى صاحبي .. فقال : مافعلت ؟
فقلت: لا شيء ..
ثم أخبرته الخبر
فوالله ماهممتُ ولا عدتُ بعدها لشيء من ذلك ..
حتى أكرمني الله عز وجل بنبوته .."

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 11:18

الوحدة



لقد أينع صبا (محمد) واكتمل شبابه ..
في بيئة تعد أمثاله من الفتية الهاشميين بما شاؤوا من ملذات ..
لكنه كان يجد طعم الحياة في مذاقه .. مر ..
كلما عاودته ذكرى بعيدة ..

وما فتئت تلك الذكرى تعاوده وترده إلى لحظة ..
طواها الزمن منذ 18 عاما ..
وما يزال يذكر موقفه في بقعة موحشة من الصحراء .. بين مكة ويثرب..
أمام أمه (آمنة).. والحياة تتسرب من جسدها رويدا ..
ثم تنطفىء إلى الأبد ..

ثمانية عشر عاما .. وما يزال المشهد الأليم يتراءى له عبر السنين ..
فيرى نفسه مكبا على الحفرة التي ألقوا فيها جثمان الغالية .. بالأبواء ..
ضائع الحيلة ..
مكسور الجناح ..
لايملك أن يستبقي أمه لحظة واحدة .. بعد أن حان أجلها ..
ولا أن يرد عنها عاديات الوحشة والبرد والظلام ..
بعد أن هالوا عليها الرمال ...

وربما ... شغلته شواغل العيش حينا عن أشجانه ..
وصرفته دواعي الحياة فترة .. عن تمثل ذاك الموت ..
الذي أخذ منه أعز من له .. أمامه وبين يديه ..

وما أكثر ما كان يمر (محمد) في مكة .. بالبيت المهجور..
الذي ضمه وأمه زمنا .. ثم أوحش من بعدها وخلا ...

وما أكثر ما كان ينطلق إلى المراعي خارج مكة
فإذا حان المساء وآن له أن يئوب إلى منزله ..
تلبث برهة عند مدخل البلد الحرام ..
وتمثل نفسه عائدا من رحلته الأولى إلى يثرب ..
وحيدا محزونا مضاعف اليتم
يتبع جاريته (بركة).. بطيء الخطى صامتا واجما ..
وهي تسعى به إلى بيت جده (عبد المطلب)....

وكم حاول الجد الكريم أن يذود عن أفق الغلام اليتيم ..
تلك الرؤى الحزينة التي تروع صباه ...

وكم جاهد - عامين كاملين - ليضمد بيده الرقيقة ..
ذلك الجرح الدامي في قلب الحفيد الصغير العزيز ...

لكن الزائر المرهوب الذي ألم بآل الغلام ..
فانتزع أباه ثم أمه ..
عاد من جديد .. مطوفا بحي بني هاشم ..
سالبا منهم الجد الكريم (عبد المطلب)..
فيقف (محمد) يرقب الحياة وهي تنطفىء..
فيمن كان له أبا بعد أبيه ..
وصغى في حزن ذاهل .. إلى صوت الشيخ المحتضر ..
حين أدنى إليه ولده (أبو طالب)..
موصيا له بـ (محمد) ... ابن أخيه (عبد الله)..

ثم ينتقل (محمد) إلى بيت جديد ..
فألفى عند عمه (أبو طالب) أبا ثالثا ..
لكنه ظل يفتقد الأم ..

ولم يستطع ضجيج صبية بني هاشم في ملاعب حداثتهم
أن يمحو من مسمعه صدى الحشرجة الرهيبة ..
التي صكت أذنيه وقلبه في جوف البيداء ..

ولا استطاعت مشاهد الحياة الزاخر الحافلة حول البيت العتيق..
في أم القرى ..
أن تطوي في متاهة النسيان ..
المشهد الفاجع الذي كان يحاصر ذاكرته..

لكن ما حدث اليوم ... كان مؤلما أكثر ..

فلقد رحل عمه (أبو طالب) في رحلة جديدة إلى الشام ..
ورفض أن يأخذ (محمدا) معه .. خوفا على حياته .. وحرصا عليه ..

فما عرف (محمد) ما يفعل ...
ومع من يبقى ..

فقال له عمه (أبو طالب)..

"يا ابن أخي ..
أنا رجل لا مال لي
وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة..
وليس لنا مال ولا تجارة ..
وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام..
وخديجة تبعث رجالا يتجرون في مالها ويصيبون منافع..
فلو جئتها لفضلتك على غيرها ..
لما يبلغها عنك من أمانتك وطهارتك ..
وإن كنتُ أكره أن تأتي الشام .. وأخاف عليك من يهود..
وقد بلغني أنها استأجرت فلانا ببكرين..
ولسنا نرضى لك بمثل ما أعطته ..
فهل لك في أن أكلمها؟"

قال (محمد)... "ما أحببتَ يا عم"


لقاء



خرج الشاب (محمد) في قافلة تجارية تعود للسيدة (خديجة)..
في رحلة صيفية عائدة إلى الشام ..
والحداة يهزجون بأغانيهم التي تعد الإبل بالراحة والظل والري..
وتمني الركب بالأنس في لقاء الأهل والأحباب ..
والمسافرون قد استغرقتهم نشوة حالمة منذ بلغوا (الظهران)
على مقربة من مكة ..
واشرأبت أعناقهم إلى معالمها التي لاحت لهم من بعيد
تناديهم في لهفة واشتياق..

لكنه وحده ... حبيبنا وبطل قصتنا (محمد) ...
من بين هؤلاء جميعا..
انطوى على نفسه يكابد أشجانه التي هاجها مرور القافلة..
قريبا من الأبواء ..

وعبثا .. حاول مرافقه (ميسرة)..
ذلك الشاب الذي يعمل عند السيدة (خديجة)..
أن يغريه بما ينتظره من تقدير ..
وهي قد اختارته ليخرج في مالها إلى الشام
ووعدته بأن تعطيه ضعف ما كانت تعطي غيره ..
ممن استأجرتهم قبله..

فقال ميسرة ..

"أسرع أنا إلى سيدتي فأخبرها بما صنع الله لها على وجهك
فإنها تعرف ذلك لك"

فتركه (محمد) .. يمضي لشأنه ..
وفرغ هو لتأملاته ..

أ هذا كل ما ينتظر المسافر العائد من الشام ..؟

أين مني العشيرة والأحباب ؟

لكن .. لأن العمل له أولوية .. وخاصة عند الصادق الأمين ..

قرر (محمد) الذهاب على بعيره قاصدا دار (خديجة)
بعد أن طاف بالبيت العتيق..

وكانت (خديجة) هناك في دارها
ترقب الطريق من علية لها في لهفة مشوبة بشيء من القلق..
وإلى جانبها غلامها (ميسرة)
يملأ سمعها بحديث مثير عن رحلتها مع (محمد)..

قال لها (ميسرة)...

"أننا حين وصلنا إلى الشام
نزل محمد في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان
فاطلع الراهب على ميسرة
فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟
فقال: هذا رجل من قريش من أهل الحرم.
قال الراهب: ما نزل تحت هذا الشجرة إلا نبي.."

وأخبرها (ميسرة)..
كيف أن محمد باع سلعته التي أتى بها
وأنه اشترى ما أراد أن يشتري ..
فلما اشتد الجو حرا ..
رأى ميسرة كأن ملكين يظلانه من الشمس..!

وكانت (خديجة) امرأة حازمة .. شريفة لبيبة
مع ما أراد الله بها من كرامته ..

فلما أخبرها (ميسرة).. ظلت تفكر ..

ثم وصل (محمد).. فأخبرها عن رحلته وعن طيبات الشام..
وهو يحدثها غاض بصره عنها ..

ثم أتجه إلى منزل عمه (أبو طالب) ..
بعد أن حس بشيء من الرضى والارتياح..
فلقد عاد من رحلته موفقا سالما
دون أن يمسه أذى من يهود ...

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 11:48

الأحبار والرهبان



كانت الأحبار والرهبان أهل الكتابين..
هم أعلم بمجيء النبي الجديد .. قبل مبعثه وزمانه الذي يترقب فيه من العرب
لما يجدونه في كتبهم من صفاته..
وبما أخذ عليهم من الميثاق له.. في عهد أنبيائهم ..
فيستفتحون به على أهل الأوثان من أهل الشرك
ويخبرونهم أن نبيا مبعوثا بدين إبراهيم .. اسمه أحمد..

وكانت العرب أميين .. لايدرسون كتابا
ولايعرفون من الرسل عهدا
ولايعرفون جنة ولا نارا
ولا بعثا ولا قيامة .. إلا شيئا يسمعونه من أهل الكتاب..
ولايثبت في صدورهم ..
ولايعلمون به شيئا من أعمالهم ..

فيقول عاصم بن عمر بن قتادة..
حدثني أشياخ منا .. قالوا..

"لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منا
كان معنا يهود
وكانوا أهل كتاب
وكنا أصحاب وثن
فكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون
قالوا.. إن نبيا مبعوثا الآن قد أظل زمانه نتبعه
فنقتلكم معه قتل عادٍ وإرم ..
فلما بعث الله رسوله (عربيا).. اتبعناه .. وكفروا به"

وقال حسان بن ثابت ..

"والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان
أعقل كل ما سمعت
إذ سمعتُ يهوديا وهو على أطمه بيثرب يصرخ..
يا معشر يهود ..
فلما أجتمعوا إليه قالوا: ويلك ما لك؟
قال: طلع نجم أحمد .. الذي يُبعث به الليلة .."

وعن سلمة بن سلامة بن وقش...قال..

"كان بين أبياتنا يهودي
فخرج على نادي قومي بني عبد الأشهل ذات غداة..
فذكر البعث والقيامة
والجنة والنار
والحساب والميزان

فقالوا له: ويلك ..وهذا كائن ؟
إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار
يجزون من أعمالهم؟

قال: نعم والذي يحلف به
لوددتُ أن حظي من تلك النار
أن توقدوا أعظم تنور في داركم فتحمونه
ثم تقذفوني فيه
ثم تطينون علي
وإني أنجو من النار غدا
فقالوا: يا فلان ما علامة ذلك ؟

قال: نبي يُبعث من ناحية هذه البلاد ..
وأشار بيده نحو مكة واليمن

قالوا: فمتى نراه ؟

فرمى بطرفه فرآني وأنا مضطجع بفناء باب أهلي

فقال.. "إن يستنفذ هذا الغلام عمره .. يدركه"

فلما بعث الله محمدا بالنبوة ..
ذهبوا إلى ذلك اليهودي يسألوه ..

فقال لهم .. "ليس هو!!!!"

وكان هناك أناسا من أهل الكتاب
آمنوا برسلهم .. وصدقوهم ..
وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث..
فلما بُعث .. كفروا به !!!!

ومنها .. قصة إسلام سلمان الفارسي (رضي الله عنه)
وكيف كان يتنقل بين الرهبان والأحبار ..
حتى وصل إلى مكة ..
وهم يوصونه باتباع نبي كريم .. يظهر في جزيرة العرب..
فتحول بتلك الرحلات ..
من المجوسية .. إلى النصرانية.. إلى الإسلام ..

فالأمور في مكة .. كانت مهيأة لاستقبال حدث ٍ جلل ..

بنيان الكعبة



في تلك الفترة ..
كان محمد بن عبد الله .. قد وصل الـ 35 من العمر ..

وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة .. لرجل من الروم ..
فتحطمت..
فأخذوا خشبها .. فأعدوه لسقف الكعبة ..

وكان بمكة رجل قبطي نجار
فتهيأ لهم في أنفسهم في بعض ما يصلحها..

وكانت هناك حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ..
مما يهدي لها كل يوم ..
فتشرق على جدار الكعبة .. وهم يهابونها..

وبينما هذه الحية يوما .. على جدار الكعبة..
بعث الله عليها طائرا لايدرون ما هو ..
فاختطفها .. وذهب بها ..
فقالت قريش ..

"إنّا نرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا
عندنا عامل رفيق وعندنا الخشب
وقد ذهب الله بالحية"

فلما أجمعوا أمرهم على هدم الكعبة ..
قال الوليد بن المغيرة.. أنا أبؤوكم في هدمها ..

فأخذ المعول .. فقام عليها ..
ثم قال .. اللهم لاتردع.. اللهم إنا لا نرد إلا الخير ..

ثم هدم من ناحية الركنين..

فتربص الناس تلك الليلة ..
وقالوا .. ننظر ماذا يصيبه ..
فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت
وإن لم يصبه شيء .. فقد رضي الله ما صنعناه..

فأصبح الرجل غاديا .. وبدأ يهدم .. وهدم الناس معه ..
فلما انتهى الهدم إلى أساس الكعبة ..
اتبعوه حتى انتهوا إلى حجارة خضر كالأسنة .. آخذٌ بعضها بعضا..

وقيل أن رجالا من قريش ممن كان يهدمها..
قالوا أنه أُدخل رجل بين حجرين منها العتلة .. ليقلع أحدهما ..
فلما تحرك الحجر .. انتفضت مكة بأسرها ..
فهابوا عند ذلك تحريك ذلك الأساس...

وعن عبّاد ...
أنهم وجدوا في أساس الكعبة .. أو في بعضها..
شيء من نحاس .. مثل بيض النعام ..
مكتوب في أحدهما... هذا بيت الله الحرام .. رزق أهله من كذا
لايحل أول من أهله..
وفي الأخرى.. براءة لبني فلان حي من العرب .. من حجة حجوها..

وعن يونس عن ابن اسحاق .. قال..
أن قريشا وجدت في الركن .. أو في بعض المقام كتابا بالسريانية..
لم يدروا ما هو .. حتى قرأه عليهم رجل من يهود ..
مكتوب فيه .. أنا الله ذو بكة .. خلقتها يوم خلقت السموات والأرض ..
وصنعتُ الشمس والقمر .. وحففتهما بسبعة أملاك..
حنفاء لايزولون حتى تزول أخشابها.. مبارك لأهلها في الماء واللبن..

وعن عبد الله بن الزبير .. حينما أراد أن يقلع القواعد ..
التي أسس عليها إبراهيم عليه السلام ..
فأتوا تربة صفراء عند الحطيم.
فقال ابن الزبير.. هذا قبر إسماعيل عليه السلام .. فواراه..

وقد جمعت القبائل من قريش لبنائها ..
ثم بنوا حتى بلغ البناء موضع ركن الحجر الأسود..
فاختصموا في رفع الحجر ..
كل قبيلة تريد أن ترفعه دون الأخرى..

فتحازبوا .. بل أعدوا للقتال ..

فقربت بنو عبد الدار جفنة فملؤوها دما ..
ثم تحالفوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت ..
فأدخلوا أيديهم في تلك الجفنة .. فغمسوها في الدم ..
واستعدوا للحرب ...

ثم مكثت قريش 4 ليال .. أو 5 ..
على الحيرة والقلق والاختلاف...

ثم اجتمعوا في المسجد .. فتشاوروا ..
ثم اقترح أحدهم .. فقال..

"يا معشر قريش
اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه..
أول من يدخل عليكم من باب المسجد"

فتوافقوا على ذلك .. ورضوا ..

فدخل (محمد بن عبد الله)..
فلما رأوه قالوا .. هذا الأمين قد رضينا بما قضى بيننا..

فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر ..

فقال لهم .. هلموا ثوبا ..

فجلبوا له ..

فوضع (محمد بن عبد الله) الحجر الأسود بيده ..
في وسط الثوب..

ثم قال.. لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب..
ثم ارفعوا جميعا ..

فرفعوه حتى إذا بلغوا به موضعه..
وضعه الأمين بيده .. ثم بنى عليه ...

وكانت (خديجة) في تلك الفترة ..
قد ذكرت لابن عمها .. (ورقة بن نوفل) .. أخبار (محمد)..
وما ذكر لها غلامها (ميسرة) عنه..
وكان (ورقة) نصرانيا ..
فقال لها ..

"لئن كان هذا حقا يا خديجة
أن محمدا لنبي هذه الأمة..
قد عرفتُ أنه كائن لهذه الأمة نبي يُنتظر .. هذا زمانه"

وكان (ورقة) .. يستبطيء الأمر ..
وينتظر قدوم (خديجة) بين الحين والآخر .. ويقول ... حتى متى ؟..

ويذكرون له أشعارا .. ينتظر بها الخبر من (خديجة)..
فيقول ..

أتبكر أم أنت العشبة رائح ُ- وفي الصدر من أضمارك الحزن قادحُ
لفرقة قوم لا أحب فراقهم - كأنك عنهم بعد يومين نازح
وأخبار صدقٍ خبرت عن محمد ٍ - يخبرها عنه إذا غاب ناصح
فتاكِ الذي وجهتِ يا خير حرة ٍ - بغوري والنجدين حيث الصحاصح
إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت - وهن من الأحمال قعص دوالح
فخبرنا عن كل حِبر بعلمه - وللحق أبواب لهن مفاتح
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل - إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به أن سوف يُبعث صادقا - كما أرسل العبدان هودٌ وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يُرى له - بهاء ومنشور من الذكر واضح
ومتبعه حيا لؤي جماعة - شبابهم والأشيبون الجحاجح
فإن أبق حتى يدرك الناس دهره - فإني به مستبشر الود فارح
وإلا فإني يا خديجة فاعلمي - عن أرضك في الأرض العريضة سائح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 11:52

أياما ما قبل الليلة



ثم كان الحادث الخطير .. لا في حياة هذه الأسرة الوادعة فحسب..
ولا في حياة قريش والعرب وحدهم ..
بل في حياة الإنسانية جمعاء..

لقد تلقى (محمد) رسالة الوحي .. في ليلة القدر
واصطفاه الله تعالى خاتما للنبيين عليهم السلام ..
وبعثة في الناس بشيرا ونذيرا ..

وكانت الرسالة ايذانا بحياة جديدة
شاقة وكادحة
وبدءا لعهد ملؤه الاضطهاد والعذاب..والجهاد ..
ثم النصر..

وفي الحقيقة.. لم يكن الحادث الأكبر مفاجأة للعرب
فما أكثر ما تناقلت الجزيرة أنباء إرهاصات عن نبي جديد حان مبعثه..
وما أكثر ما تحدث السمار والكهان .. عن رسالة سماوية منتظرة ..
آن أوانها..

و مكة على الخصوص..
كانت الموضع الذي تتلاقى فيه تلك الإرهاصات والبشريات
وتتجمع روافدها من هنا .. ومن هناك ..
لتصب حول البيت العتيق ..
مثابة الحج ومركز العبادة من قديم العصور والآباد...

لكن أحدا لم يكن يدري يقينا .. كيف ومتى يكون المبعث المنتظر ..
ومن هنا .. كان لنزول الوحي على محمد .. صلى الله عليه وسلم ..
وقع المفاجأة العنيفة .. التي جاوزت أبعاد التصور ..

إذ كان حبيبنا .. منذ استقرت به الحياة في رعاية الزوج الرءوم
وأعفته ظروفه المادية من عناء الكفاح اليومي ..
أتيح له أن يستجيب ل في نفسه من نزوع إلى التأمل ..
وميل إلى التفكير المستغرق ..
وهي نزعة ظهرت فيه واضحة .. منذ الصبا ..
ووجدت في ساعات فراغه .. أيام رعيه للغنم .. مجالا رحبا ..
ثم صرفه عنها كيد العيش ..
لتعود لتظهر من جديد .. قوية أصيلة .. كأنما هي فطرة فيه ..

وكثيرا .. ما كانت تأملاته حول الكعبة ..
تلك التي صنعت تاريخ مكة .. وتاريخ أسرته بوجه خاص..
ووصلت ما بين أبيه (عبد الله) .. و (إسماعيل) جد العرب..
برباط وثيق نسجته يد الزمن .. طوال قرون لا عداد لها ..
فأحيت بحادث فداء (عبد الله) من الذبح ..
ذكرى متناهية في القدم .. لمشهد الذبيح الأول .. ابن إبراهيم ..

ولقد انبلج لحلو المحيّا .. (محمد).. نور الحق .. منذ زمن طويل
فرفض هذه الأصنام .. التي تكدست في بيت الله .. صماء عمياء..
لاتملك لنفسها نفعا..
ولاترد عن نفسها ضرا ..

وأنكر حبيبنا .. في شبابه .. أن تخفّ أحلام قومه
فيتعبدوا لحجارة بالغة الهوان ..
ويقدموا القرابين لأصنام وأوثان .. صنعوها بأيديهم ..
ثم جعلوا منها آلهة لهم .. وأربابا ..

وأرهف التأمل حسه ..
فإذا هو يستشف أدق ما في الكون من أسرار
ويلمح وراء جلال الليل ورهبة الصحراء .. وسناء الضوء وبهاء السماء..
قوة عظمى خفية.. تدبر هذا الكون .. وفق نظام دقيق ونواميس مطردة..
فلا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ..
ولا الليل سابق النهار ..
وكلٌ في فلك ٍ يسبحون ...

وما شارف الأربعين (محمد)...
حتى كان قد ألف الخلوة في غار حراء ..
واستطاب رياضته الروحية التي يحس خلالها ..
كأنما يدنو من الحقيقة الكبرى .. ويستجلي السر الأعظم ..

وما كانت (خديجة) في وقار سنها وجلال أمومتها ..
لتضيق بهذه الخلوات .. التي تبعده عنها أحيانا ..
أو تعكر عليه صفو تأملاته بالمعهود من فضول النساء ..
بل حاولت ما وسعها الجهد .. أن تحوطه بالرعاية والهدوء وما أقام في البيت..
فإذا انطلق إلى غار حراء .. ظلت عيناها عليه من بعيد ..
وربما أرسلت وراءه من يحرسه ويرعاه..
دون أن يقتحم عليه خلوته .. أو يفسد وحدته ..

وهكذا ..
بدأ كل شيء مهيأ لاستقبال الرسالة المرتقبة..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 11:56

بشريات النور ما قبل الحق



كانت الأيام تمر ..
وبدأ (محمد) .. إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا..
ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية ...
فلا يمر بحجر ولا شجر ... إلا قال له " السلام عليك يا رسول الله " !

فيتلفت عن يمينه وعن شماله ومن خلفه .. فلا يرى أحدا..

وهذه شفافية ..
فالإنسان كلما اقترب من الله .. رأى ما لا يراه الآخرون
سمع ما لم يسمعه الآخرون
أحس بما لم يحسّ به الآخرون..

هذه الشفافية ذكرها حبيبنا يوما لأصحابه ..

"لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ أَوْ عَلَى طُرُقِكُمْ"

و (خديجة) .. آتاها الله من العقل ..
ومن النُضج ..
ومن بُعد النظر ..
ومن سعة الأفق ..
ومن قوة القلب .. الشيء العجيب...

وكان (محمد) .. يخشى على نفسه.. ويسأل .. ما هذا الذي أسمعه ؟!
فلا يرى أحدا.. فيضطرب .. ويقلق .. ويخاف ..
ويصبح محتاجا إلى شخصٍ يثق به .. يبثه ما يجده ..

ولكن ..

(وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)

فيأتي إلى البيت ..ويحدث (خديجة) بما يشعر به ..
وكانت هي ..أقرب الناس إليه روحا وجسدا ..
فهي أهله وسكنه .. وأُنس روحه ونفسه ... رضي الله عنها ..

فكان (محمد) .. يخبرها فيقول ..

"إِنِّي أَرَى ضَوْءاً .. وَأَسْمَعُ صَوْتاً .. وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ"

فتقول له ..

"لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ .. يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ"

!!!!!!!!!

ولكنها .. لحكمتها .. كانت تهرول تنقل الأخبار .. لابن عمها (ورقة)..
فيقول لها .. "لابد أن يكون هو ... فانتظري" ...

وقد يسأل أحدنا سؤال ...

لماذا كانت (خديجة) تشد من أزره ؟!

هل كانت تداري مشاعره لأنه زوجها .. أم هناك أمر أكبر من ذلك؟

في الحقيقة ..
أنك إذا كنت إنسانا أمينا ..
كريما .. منصفا ..
تصل الرحم .. تعين الناس ..
لاتحب الظلم .. تراعي أهلك ..
بارا بوالديك ..
محسنا إلى جيرانك ..
كريما مع من يزورك ..

فماذا تنتظر من الله عز وجل ؟

الفطرة تقول ... ينبغي أن تنتظر من الله كل خير
وكل نصر ..
وكل تأييد ..
وكل عطاء...
وكل تكريم ..

فرب (محمد) .. هو ربنا ..
وإله (محمد) .. هو إلهنا..
والذي خلق (محمد) .. هو الذي خلقنا ..
وقوانينه هي هي ..
وسُننه هي هي ..

فعليك أنت أن تعلم .. أنك إن كنت مثل (محمد) .. فلن يضيعك الله ..
وينبغي أن تعلم علم اليقين .. أن الله لن يخذلك ..
ولن ينالك بسوء ..

لذا .. وبعد فترة .. من تلك الحياة الغريبة ...
دخل (محمد) في طور جديد ... اسمه .. "الرؤيا الصادقة"
فكان لا يرى شيئا ... إلا جاءت مثل فلق الصبح ... !

وهذا يحدث .. لأنه أحيانا ... الإنسان لتكريم الله له ..
يريه رؤيا صادقة .. واضحة .. لاتحتاج إلى تفسير ..
وهذه الرؤيا من الله... فهي نوع من الإعلام المباشر ..
فإذا أراد الله أن يعلمك إعلاما مباشرا...
أن يطمئنك ... أن يكرِّمك .. أن يُلقي في روعك شيئا.. ماذا يفعل بك ؟

سيريك رؤيا صادقة ...

والرؤيا الصادقة كما في الحديث .. هي جزء من ست وأربعين جزءا .. من النبوة !!

ومن الرؤى التي رآها (محمد) في تلك الفترة ..

أن سقف بيته نزعت منه خشبة ..
وأدخل فيه سلمٌ من فِضَّة ..
ثم نزل إليه رجلان .. فأراد أن يستغيث .. فمُنع من الكلام..
فقعد أحدهما إليه .. والآخر إلى جنبه ...
فأدخل أحدهما يده في جنبه فنزع ضلعين منه ..ثم أدخل يده في جوفه ..
و (محمد) يجد بردهما .. فأخرج قلبه .. فوضعه على كفه ..
فقال لصاحبه : نعم القلب قلب رجلٍ صالح ..
فطهَّر قلبه وغسله ... ثم أدخل القلب مكانه... وردَّ الضلعين ...
ثم ارتفعا ... ورفع سُلَّمُهُا ... فإذا السقف كما هو ...!

فلماذا كان يحدث لـ (محمد) .. ذلك ؟

الله يا أخوان .. كان يعتني به عناية فائقة ...

أما قال في القرآن الكريم ... (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)

وهذه سماها العلماء ... إرهاصات
فحينما يأتي الوحي .. هناك تمهيد ..
والإنسان إذا اتصل بالله ... يطهِّر الله قلبه ...

ولذا .. لما أخبر (محمد) تلك الرؤيا .. لـ (خديجة)..

قالت له .. " أبشر .. فإن الله لا يصنع بك إلا خيراً "....!

فانظروا .. كيف أن الله يمهِّد لهذا النبي الكريم .. الوحي ..عن طريق الرؤيا الصادقة ..
وعن طريق أن يرى نورا وصوتا.. دون أن يرى شيئا..

ولقد استمرَّت مرحلة الرؤيا الصادقة ستة أشهر ..
وكانت رحمة الله قد عمَّت هذا البيت الكريم..
لأن هذه الرؤيا الصادقة ... فيها توطئة لنزول الوحي عليه يقظةً ...
لأنه كان إذا رأى شيئا في المنام .. أشتاق أن يراه في اليقظة ..!

لذلك .. حبب الله إليه .. الخلوة لنفسه ...والعزلة عن الناس ..

فكان بطل قصتنا .. (محمد) .. يذهب إلى جبل النور ..



يعتكف في غار (حراء) الليالي ذوات العدد ...



العجيب في الأمر ..
أن الشاب الرياضي الذي في ريعان شبابه ..
لا يستطيع أن يصل إلى غار حراء في ذلك الجبل ..
إلا بين ساعتين أو ثلاث من الجُهد الجَهيد ...
فطريق الصعود صعب ...



فكيف كان (محمد) يصعد إلى هذا الغار ؟!

فالمكان موحش .. وبعيد .. وعال .. ومظلم في الليل .. ومخيف ..
وتأتيك تخيلات .. وتصورات ..
فبمن كان (محمد) يستأنس في تلك الوحشة ... قبل النبوة ؟!



ولقد كانت (خديجة) .. تزوده بما يحتاج إليه من طعام وشراب ..
فإذا نفد زاده ...
رجع (محمد) إليها .. يأخذ زادا آخر ... ثم يعود للغار مرة أخرى .. !!

وعجيب ... كيف احتملت (خديجة) بُعد (محمد) عنها
فهناك زوجات غيورات ..
وهناك زوجات لا يحتملن أن يبتعدن عن أزواجهن ..
لكن (خديجة).. كان يسعدها ما يسعد (محمد) .. يسرها ما يسر (محمد)..
ولم تكن أنانية مطلقا ..
وكانت تصبر على مفارقته لها ما دام ذلك يعجبه ...
وجوهرها صاف.. ومختلف عن الأخريات ..
فهي زوجة .. ملء السمع والبصر ...

لكنها كانت تقلق عليه إذا غاب طويلا .. وتخشى أن يصيبه مكروه .. !
فترسل غلمانها وخدمها .. للتأكد من أنه بخير ..

وجاء في بعض الروايات .. أنه أخذها معه مرة .. إلى غار حراء ..

وحدث مرة .. في خلوة (محمد) المعتادة ..
أنه سمع صوتا يسلم عليه .. ويعرفه بنفسه ..

قال الصوت ... " يا محمد أنا جبريل "

فعاد (محمد) إلى (خديجة).. سريعا ...

فقالت له .. "ما شأنك؟"

فأخبرها بما حدث .. ثم قال .. " والله خشيت أن يكون هذا أمرا"

فماذا أجابت ؟!

" أبشر فإن السلام خير"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 11:57

ليلة القدر



مرت الشهور ...
وجاء شهر رمضان المبارك ..
وصعد (محمد) كعادته إلى غار حراء يتعبد فيه ..
بعد أن زودته (خديجة) بما يحتاج إليه من الطعام والماء ..

وبينما كان (محمد) جالساً في غار حراء ..
مستغرقا في تأملاته وأفكاره ..
إذا بالنور الذي كان يراه ... يظهر أمامه في أفق السماء ..من جهة البيت العتيق ..
ثم يدنو منه ..

وكلما اقترب .. كلما ازداد قوة وسطوعا ..

ثم بدا له في وسط النور .. أمين وحي الله ... حبيبنا .. جبريل عليه السلام ..

ظهر جبريل لـ (محمد) .. في هيئة إنسان ..يحمل نمطاً من ديباج ..

وخيَّم على الكون هدوءٌ عجيب ...

وكأنه يُنصت إلى كلمات الله تعالى ..

الكل يُنصت ..

الجبل الشامخ بهامته العالية...

وصخوره ..

وذرات ترابه ...

وحبات رماله ...

والنباتات الصغيرة ..

والشجيرات التي تطرز سفوحه ...

كلها أنصتت .. وأرهفت سمعها ..

حتى النجوم التي كانت في قبة السماء .. دنت من جبل النور ..

الذي لفه النور من كل جانب ...

ومُنعت الشياطين والجان من الاقتراب من السماء الدنيا ..

و وقف جبريل .. أمام (محمد بن عبد الله) .. في باب الغار .. !

تخيلوا ... أمين وحي السماء .. يلتقي مع أمين وحي الأرض ... !

لقاء ولا أروع ... ولا أكمل .. ولا أعظم ..

فضَم جبريل .. (محمدا) .. إلى صدره ..

ضم الأمين السماوي .. الأمين الأرضي .. ضمة شديدة ..
ثم أرسله ..

وكأنه يقول له ... يا محمد .. أنت لست في منام ..
أنا يقظة ...
أنا ألمسك .. وتلمسني ...

ثم ألقى عليه هذه الكلمة ... اقرأ ...

فقال (محمد) ... ما أنا بقاريء .. !

فضمه جبريل إليه ضمة شديدة أخرى ... ثم أرسله ..

ثم قال له .. اقرأ ...

فقال (محمد) .. ما أنا بقاريء !

فضمه جبريل إليه ضمة شديدة أخرى .. ثم أرسله ..

ثم قال له ...

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ

في تلك اللحظة ... بدأت يا أخوان .. ويا أخوات ..
رسالة الله إلى بني البشر ....

ولقد اختفى الرجل فجأة ... عن (محمد) .. كما ظهر فجأة ..

ولكن بطل قصتنا .. لأنه أبلغ العرب وأفصحهم ..
عرف منذ اللحظة الأولى ... أن الكلام الذي سمعه .. ليس من كلام البشر ...
فهذا كلام معجز.

والأمر الآخر ..
أن هذا الرجل الذي جاءه.. كان يتحدث عن الإله ..
الذي هو سبب اعتكاف (محمد) وتفكره في الغار .. !

والرجل هذا .. لم يخبره عن أي شيء يريده منه..
ولم يخبره أنه سيصبح رسولا..!

لقد قرأ عليه هذه الكلمات .... التي لم تسمع من قبل على وجه الأرض..
ثم اختفى..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 12:11

لقد رجع (محمد) بعد ذلك الموقف .. إلى داره ..
يرجف فؤاده ...

وصل (محمد) .. إلى بيته .. ودخل على (خديجة) ..
والتي كان موقفها .. يدعو إلى العجب والاستغراب...
فهي لم تخف كعادة النساء ... أو كطبيعة البشر..
ولم تتعجب أو تتساءل....!!!

بل أخذت الأمر بكل بساطة..
وكأن زوجها يقص عليها أمرا عاديا .. !!

فقالت له في يقين غريب ..

"الله يرعانا يا أبا القاسم ..
ابشر يا ابن عم .. واثبت ..
فوالذي نفس خديجة بيده
إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة..
والله لايخزيك الله أبدا ...
إنك لتصل الرحم ..
وتصدق الحديث ..
وتحمل الكَلّ..
وتقري الضيف ..
وتعين على نوائب الحق"


!!!!!

لقد استنبطت (خديجة)..
أن هذا الرجل صاحب الأخلاق الحميدة .. لن يخزيه الله أبدا..
وما أشارت به .. كان إلى معاملاته للناس.. وخدماته لهم..
ولم تشر من قريب أو من بعيد .. إلى تحنثه وتعبده واعتكافه...!

فالمعاملات مع الناس ...هي المحك الحقيقي لتقييم الإنسان..

فأشرقت أساريره .. وزايله روعه ..
فما هو بالكاهن .. ولا به جِنّة ..
وبث صوتها في نفسه .. الثقة والأمان والهدوء .. فنام على راحة ..


ولم تشأ هذه المرأة العاقلة الكاملة ..
أن تترك زوجها للأوهام والضلالات..
وفضلت أن تذهب إلى أهل العلم والدراية ... فراحت إلى ابن عمها (ورقة)..
و هو كما نعلم .. لم يكن كاهنا أو خادما للأصنام ..
بل لديه علم من ديانة السابقين ..

وكان (ورقة) في ذلك الوقت .. قد أخذ به كبر السن ..
وعُمي ..

لكن ما كاد يسمع صوتها .. وما أخبرته به ..
حتى اهتز منفعلا .. وتدفقت الحيوية في بدن الواهن ..
وقال في انفعال مبين ..

"قدوس قدوس .. والذي نفس ورقة بيده ..
لئن كنتِ صدقتيني ياخديجة ..
لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى ..
وإنه لنبي هذه الامة ..
فقولي له .. فليثبُت ...." Sad 


ولم تنتظر (خديجة) مزيدا من قوله
ولم تستعد منه كلمة واحدة..
بل طارت إلى زوجها الحبيب تعجل له بالبشرى ..
فإذا به لايزال نائما .. كما تركته ..

فعز عليها أن توقظه .. فجلست تنتظر ..
فإذا به فجأة .. ينتفض من فراشه .. وتتثاقل أنفاسه ..
ويتفصد العرق من جبهته.. وظل على ذلك فترة .. ثم عادت سكينته ..

ثم قال .. وكأنه يستعيدُ درسا ..

"يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
قُمْ فَأَنْذِرْ
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ "

فحدثته (خديجة) بما سمعته من ابن عمها (ورقة) ..
فنظر إليها (محمد) مليا .. بنظرة تفيض شكرا وامتنانا ..
ثم استدار فنظر إلى الفراش .. وقال في تأثر ...

"انتهى يا خديجة عهد النوم والراحة ..
فقد أمرني جبريل أن أنذر الناس
وأن أدعوهم إلى الله وإلى عبادته ..
فمن ذا أدعو .. ومن ذا يستجيب ؟" Sad 


فكانت (خديجة) .. أول من آمن به .. فبارك فيها وهو يشعر براحة وسكينة ..

ثم ذهب معها إلى (ورقة) .. يستفسر منه الخطب ..

فأعاد عليه (ورقة) .. ما أخبر به زوجته ..
ثم صرح له بأمر في غاية الأهمية..
فقال له .. إن جبريل .. هو ملك السماء ..
وأن جبريل لا ينزل إلا على الأنبياء..
وأنك أنت نبي هذه الأمة ..

وتخيل كَمّ الأحاسيس والمشاعر التي جاشت في صدر (محمد)..
وهو يسمع هذا الكلام...

أيكون الله .. قد اختاره حقا .. من بين كل الخلق ... ليكون نبي آخر الزمان...؟

فالنبوة ليست مقاما يصل إليه أحد ... بالاجتهاد في العبادة
بل هي اختيار واصطفاء من الله ...

(اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِير)

فالرجل الذي جاءه في الغار... لم يخبره أنه رسول !
لكن (ورقة) يتكلم معه بثقة ويقين...
فوقع (محمد) في حيرة وشك عظيمين ..!!

لكن (ورقة) لم يتركه ... بل قال له خبرا آخر ...
لم يكن أقل خطرا من الخبر السابق..

قال.."يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا (شابًّا)، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ"

فقال له (محمد) ... "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟"


فـ (محمد) .. لم يكن يعلم شيئا عن الأمم السابقة
وهذا من الإعجاز الواضح..
لأنه بعد ذلك سيخبر عن هذه الأمم بشيء من التفصيل ..
لا يمكن أن تُعرف إلا عن طريق الوحي...

{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ
مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا
فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}

فلم يكن (محمد) .. يعرف معاناة الأنبياء..
ولا تكذيب أقوامهم لهم..
لذلك سأل (ورقة) .. "أو مخرجي هُم؟" Sad 


فقَالَ له (ورقة) بيقين وثبات .. "نعم.. لم يأت رجل قط بمثل ماجئتَ به إلا عودي"..

وهذه قاعدة من (ورقة بن نوفل).. لكل داعية..
فما حمل داعية هذا الدين بصدق ..إلا عودي

فهذه سنة من سنن الله..
تدافع الحق والباطل..
صراع بين الدين وأعداء الدين..
وهذه السُنة باقية إلى يوم القيامة..

ثم يقول له (ورقة)..."وإن يُدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا" ...

لكن .. لم يلبث (ورقة) .. إلا أن توفاه الله ..

وفي حديث نبوي عن عائشة ..

"لاتسبّوا ورقة .. فإني رأيتُ له جنة أو جنتين!!"

ومات الحبيب (ورقة)..
لكنه سطر قاعدة أصيلة خلفته من بعده..
ما دام الصراع بين الحق والباطل..
ما جاء رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي.

ولو يعلم النصارى اليوم ..
أن من أكد نبوة (محمد بن عبد الله) لـ (محمد) نفسه .. كان نصرانيا .. !!!!

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 12:15

حكمة (خديجة)



ابتدا بعد ذلك (جبريل) .. يزور (محمد) بين الحين والآخر ..
فطرأت لـ (خديجة) فكرة .. أكرمها بها الله ..
لتثبت به زوجها الحبيب ..

قالت له ..

"هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك .. إذا جاءك؟

قال .. "نعم"

قالت.. "فإذا جاءك فأخبرني"

فبينما (محمد) موجود في البيت .. إذ جاءه جبريل ..

فقال (محمد) لزوجته .. "أي خديجة.. هذا جبريل قد جاءني"

فقالت.. "أ تراه الآن ؟!"

قال... "نعم" ..

قالت.. "فاجلس إلى شقي الأيسر" ...أي (جانبي الأيسر)

فتحول وجلس ..

فقالت.. "هل تراه الآن؟"

قال .. نعم ..

قالت .. فاجلس إلى شقي الأيمن ..

فتحول فجلس ..

فقالت .. هل تراه الآن ؟!

قال ... نعم ..

قالت.. فتحول فاجلس في حجري ..

فتحول وجلس ..

فقالت .. هل تراه الآن ؟!

قال... نعم ..

فالقت خمارها من على رأسها ..

فقالت .. هل تراه الآن ؟!

قال... لا .. !

قالت ..

"ما هذا الشيطان ..
إن هذا لمَلك ..
يا بن عم .. فاثبت .. وأبشر "

رضي الله عنها ... وأرضاها ... بل نزيد عليها السلام

انقطاع مقلق



بعد كلام (ورقة بن نوفل) ..
أراد رسول الله أن يتيقن من صحة ذلك الكلام
فهذه قضية ضخمة جدا وهائلة
لا يصح لـ (محمد) أن يبني فيها قرارا أو رأيا .. دون تيقن كامل أنه نبي..

ولنفرض أن الكلام حق .. فما المطلوب منه؟

فالرجل الذي جاءه لم يخبره بشيء...

لذلك .. تمنى رسول الله أن يقابل جبريل مرة ثانية
ليؤكد له أمر الرسالة.. ويخبره بما يقوم به..
لكن مع تعلق قلب الرسول ... واشتياقه لرؤية جبريل ..
شاء الله أن يفتر الوحي...

واختلف المؤرخون في مدة انقطاع الوحي...
ولكن في أغلب الظن أنها كانت ...من ثلاثة أيام إلى أربعين يوما..

وكان انقطاع الوحي بمنزلة صدمة لـ (محمد)..
فهو لم يتيقن بعد...
والشك شعور قاتل..

وكان (محمد) متوقعا أنه إذا ذهب إلى الغار ... سيجد هناك جبريل
أو يلقاه في مكان آخر...
فكان يخرج إلى الجبال.. لكن لم يلتقي بأحد .. ولم يسمع أحد !!

وكان هذا التأخر سببه .. ليزداد (محمد) اشتياقا إلى الرسالة
فالرسالة مهمة ثقيلة جدا ..

{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}

فإن لم يكن حامل هذه الرسالة متشوقا إليها
سيكون حملا صعبا جدا.. بل لعله مستحيل..
فهناك فارق كبير بين أن تبحث الدعوة عن رجل ليحملها..
أو يبحث الرجل عن الدعوة ليحملها...!!

فمن هنا بدأت الرسالة...

ولما كان يبلغ الحزن بـ (محمد) ..
كان يأتيه جبريل... ويقول له.. يا محمد..إنك رسول الله حقا..

فيسكن (محمد) ..

لكن ليست هناك تبليغات بالرسالة..
فصاحبه لا يزيد عن قوله... "يا محمد إنك رسول الله حقا".. ثم يختفي ... !

ثم جاء اليوم الذي سيبدأ فيه (محمد) فيه ... رحلة النبوة والتبليغ والتبشير والإنذار ..

ففي الحديث النبوي ...

"بَيْنَما أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا
فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا
وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا
وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا
وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا
ثُمَّ نُودِيتُ
فَرَفَعْتُ بَصَرِي إلى السماء
فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ .. جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ
فَرُعِبْتُ مِنْهُ حَتَّى هَوِيتُ عَلَى الأَرْضِ
فَرَجَعْتُ حَتَّى أَتَيْتُ خَدِيجَةَ
فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، وَصُبُّوا عَلَيَّ ماءً باردًا"
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}

وكان هذا هو الأمر الواضح بالرسالة وبالتبليغ وبالإنذار
فتغيرت حالة (محمد) .. من الشك والارتياب وعدم التأكد من أمر النبوة
إلى حالة من العزيمة والقوة والإصرار والنشاط،..

ووجد (محمد) تفسيرات لما كان يحدث له قبل النبوة
من سلام الحجر عليه
وشق الصدر..وغيرها من أمور ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 12:25

المسلمون الأوائل



روى ابن إسحاق عن إياس بن عفيف عن أبيه عفيف
وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس لأمه - أنه قال :

"كنت امرءا تاجرا فقدمت ( منى ) أيام الحج
وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا ..
فأتيته أبتاع منه ..
قال : فبينما نحن إذ خرج رجل من خباء فقام يصلي تجاه الكعبة
ثم خرجت امرأة فقامت تصلي
وخرج غلام فقام يصلي معه
فقلت : يا عباس ما هذا الدين ؟ إن هذا الدين ما أدري ما هو ؟
فقال : هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله ..
وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه
وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به
وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به
قال عفيف : فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون رابعا"

وفي رواية عنه قال :

"إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى الشمس
فلما رآها قد مالت قام يصلي . . . ثم ذكر قيام خديجة وراءه "

وروى ابن جرير بسنده عن يحيى بن عفيف [ عن عفيف ] قال :

"جئت زمن الجاهلية إلى ( مكة ) فنزلت على العباس بن عبد المطلب
فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء - وأنا أنظر إلى الكعبة
أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة
فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه
فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما
فركع الشاب فركع الغلام والمرأة
فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة
فخر الشاب ساجدا فسجدا معه
فقلت : يا عباس أمر عظيم
فقال : أمر عظيم ؟ أتدري من هذا ؟
فقلت : لا
فقال : هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي . أتدري من الغلام ؟
قلت : لا
قال : هذا علي بن أبي طالب ... أتدري من هذه المرأة التي خلفهما ؟
قلت : لا
قال : هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي
وهذا حدثني أن ربك رب السماء والأرض أمره بهذا الذي تراهم عليه
وايم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين ..
غير هؤلاء الثلاثة"

وعن جابر قال :

"بعث النبي يوم الاثنين ... وصلى علي يوم الثلاثاء"



أمر الله رسول الله أن يصدع بما جاء به
وأن ينادي الناس بأمره ..
وأن يدعو إلى الله تعالى ..
فنزلت ..

(فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)

(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)

(وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ)

وعن علي بن أبي طالب.. أنه قال ..

"لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم
(وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن أتبعك من المؤمنين)
قال صلى الله عليه وسلم: عرفتُ أني إن بدأتُ بقومي.. رأيت منهم ما أكره
فصمتُّ عليها ..
فجاءني جبريل فقال: يا محمد .. إنك إن لم تفعل ما أمرك الله به.. عذبك ربك..
فدعا (صلى الله عليه وسلم) عليا .. فقال له ..
يا علي .. إن الله قد أمرني أن أنذر عشرتي الأقربين
فعرفتُ أني إن بادأتهم بذلك .. رأيتُ منهم ما أكره
فصمتُّ عن ذلك حتى جاءني جبريل فقال..
يامحمد إن لم تفعل ما أمرتَ به عذبك ربك
فاصنع لنا يا علي رجل شاة على صاع من طعام
واعد لنا عسى لبن
ثم أجمع بني عبد المطلب ..
يقول علي.. ففعلتُ ..
فاجتمعوا له وهم يومئذ أربعين رجلا لم ينقصون..
فيهم أعمامه .. أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ..
فقدمتُ إليهم تلك الجفنة .. فأخذ منها (صلى الله عليه وسلم) حذية
فشقها بأسنانه .. ثم رمى بها في نواحيها ..
ثم قال .. كلوا باسم الله .. فأكل مثلها ..
ثم قال صلى الله عليه وسلم .. اسقهم يا علي ..
فجئتُ بذلك القعب فشربوا حتى نهلوا جميعا..
فلما أن أراد (صلى الله عليه وسلم) أن يكلمهم
هب أبو لهب إلى الكلام ... فسبقه قائلا .. ما سحركم صاحبكم!
فتفرقوا .. ولم يكلمهم (صلى الله عليه وسلم) ..
فلما كان الغد .. قال (صلى الله عليه وسلم) لعلي ..
يا علي .. عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب
فإن هذا الرجل .. قد بدرني إلى ما قد سمعـتُ قبل أن أكلم القوم..
يقول علي.. ففعلتُ ثم جمعتهم ..
فصنع (صلى الله عليه وسلم) كما صنع بالأمس
ثم أكلوا وشربوا ..
ثم قال (صلى الله عليه وسلم) ..
يا بني عبد المطلب .. والله ما أعلم شابا من العرب ..
جاء قومه بأفضل مما جئتكم به .. قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة.. "

وعن أبي هريرة .. أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. قال..

"يا بني عبد المطلب
يا فاطمة بنت محمد
ياصفية عمة رسول الله
أشتروا أنفسكم من الله
لا أغني عنكم من الله شيئا
سلوني من مالي ما شئتم
وأعلموا أن أول آت يوم القيامة .. المتقون
فإن تكونوا مع قرابتكم .. فذاك وإياي
لايأتون الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملوها على أعناقكم
فأصد وجهي عنكم
فتقولون: يامحمد
فأقول : هكذا.. فصرف وجهه ..
فتقول: يامحمد .. فأقول هكذا .. وصرف وجهه إلى الشق الآخر.."

وعن يونس ابن إسحاق .. قال..

كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا صلوا..
ذهبوا إلى الشعاب
واستخفوا بصلاتهم عن قومهم ..

فبينما سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه (صلى الله عليه وسلم)..
في شعب من شعاب مكة
إذ ظهر عليهم نفر من قريش وهم يصلون
فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم وأقتتلوا ..
فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا من المشركين .. فشجّه..
فكان أول دم أهريق في الإسلام ..

فلما رأت قريش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لايعتبهم من شيء..
أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ..
ورأوا عمه أبو طالب قد حدب عليهم ..
وقام دونه فلم يسلمه لهم ..

فمشى رجال من أشرف قريش إلى أبي طالب .. منهم ..
عتبة بن ربيعة .. شيبة .. أبو سفيان .. أبو البحتري..
الأسود بن المطلب .. الوليد بن المغيرة.. أبو جهل.. العاصي بن وائل..
منبه ونبيه ابنا الحجاج .. أو من مشى فيهم ..

فقالوا .. يا أبا طالب .. إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا ..
وسفه أحلامنا وظلل آباءنا ..
فإما أن تكفه عنا .. وإما أن تخلي بيننا وبينه فنكفيكه ..
وإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ..

فقال أبو طالب قولا رقيقا .. ورد ردا جميلا .. فانصرفوا عنه ..

ومضى (صلى الله عليه وسلم) على ما هو عليه ..
يُظهر دين الله ويدعو إليه ..

فتآمرت قريش على من في مكة من المسلمين
يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ..
ومُنع (صلى الله عليه وسلم) بعمه أبي طالب..

ودعا أبو طالب قريشا .. فاجتمعوا إليه ..
فطلب منهم أن يدفعوا عن (محمد) ماكان من بني هاشم ..
وإنما كانت بنو المطلب تُدعى لهاشم إذا دعوا بالحلف ..
ذلك الحلف الذي كان بين بني هاشم وبني عبد المطلب ..
دون بني عبد مناف ..

فلما اجتمعت بنو هاشم وبنو المطلب مع أبو طالب..
ورأى أنه قد امتنع بهم
وأن قريشا لن يعاوده معهم ..
نصب أبو طالب الحرب وبادى قومه بالعداوة ..

ثم ابتدأ أبو طالب .. يناصب العداء لأبو جهل ..
وبدأ يتلو الأشعار تلو الأشعار .. وهو يهجوه ... !

وأتى الوليد بن المغيرة .. فاجتمع إليه نفر من قريش
وكان ذا سن فيهم .. وقد حضر الموسم ..

فقال .. يا معشر قريش .. إنه قد حضر الموسم ..
وإن وفود العرب ستقدم عليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم
فاجتمعوا فيه رأيا واحدا .. ولاتختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ..
ويرد قولكم قول بعض..

فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس .. فقل وأقم لنا رأيا نقوم به..

فقال: بل أنتم . قولوا أسمع ..

فقالوا : نقول كاهن

فقال: ما هو بكاهن .. لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكاهن وسجعه..

فقالوا: نقول مجنون

فقال: ما هو بمجنون.. لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو تخنقه ولاتخالجه ولاوسوسته

فقالوا: نقول شاعر

فقال: ما هو بشاعر.. قد عرفنا الشعر بزجره وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر

قالوا: نقول ساحر

قال: ما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم .. ماهو بنفثه ولا عقده

قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟

قال: والله إن لقوله لحلاوة ..
وإن أصله لغدق
وإن فرعه لجنا
فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عُرف أنه باطل
وإن أقرب القول لأن تقولوا ساحر
فقولوا ساحر يفرق بين المرء وأبيه
وبين المرء وأخيه
وبين المرء وزوجته
وبين المرء وعشيرته...

فتفرقوا عنه بذلك ..
فجعلوا يسألون الناس حين قدموا الموسم ..
لايمر بهم أحد إلا حذروه إياه .. وذكروا لهم أمره ..

فأنزل الله في الوليد بن المغيرة ..

(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا
وَبَنِينَ شُهُودًا
وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ
كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا
سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّر
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
ثُمَّ نَظَرَ
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ
فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ)

وأنزل الله في النفر الذين كانوا معه ..

(كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

وانزل الله تعالى هذه في قريش ..

(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ
وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ)

فكانوا يقولون له .. إن ما تقول حق .. ولكن في قلوبنا أكنة منه ... فما نعقله ..
وفي آذاننا وقر مما نسمعه .. فلا ندري ما تقول ... !

ثم شددت قريش على أبي طالب .. وهو يأبى خذلان ابن أخيه ..
فمشوا إليه ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة ..

فقالوا له .. يا أبا طالب .. قد جئناك بفتى قريش .. عمارة بن الوليد ..
جمالا وشبابا ونهادة .. فهو لك نصرة وعقلة..
فاتخذ ولدا لاتنازَع فيه ..
وخل بيننا وبين ابن أخيك هذا ..
الذي فارق دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومه .. وسفه أحلامهم ..
فغنما رجل كرجل لنقتله ..
فإن ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مغبة..

فقال لهم أبو طالب ... والله ما أنصفتوني ..
تعطوني ابنكم أغذوه لكم .. وأعطيكم ابن أخي تقتلوه
هذا والله لايكون أبدا ..
أ فلا تعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لم تحن إلى غيره..؟!

فقال له المطعم بن عدي : لقد أنصفك قومك يا أبا طالب ..
وما أراك تريد أن تقبل ذلك منهم ..

فقال أبو طالب: والله ما أنصفتموني ولكنك قد أجمعت على خذلاني ..
ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك ..

وبدأ أبو طالب .. يهجو المطعم بن عدي .. ومن عاداه من قبائل قريش ..
بالشعر تلو الشعر ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 12:29

الحرب النفسية .. وأذى قريش
مضت قريش إلى أبي طالب مرة أخرى .. تكلمه..

فقالوا له .. ما نحن يا أبا طالب وإن كنت فينا ذا منزلة بسنك وشرفك موضعك ..
بتاركي ابن أخيك على هذا .. حتى نهلكه أو يكف عنا ما قد أظهر بيننا ..
من شتم آلهتنا وسب آبائنا وعيب ديننا ..
فإن شئت فاجمع لحربنا .. وإن شئت فدع ..
فقد أعذرنا إليك .. وطلبنا التخلص من حربك وعداوتك ..
فكل ما نطن أن ذلك مخلصا ..
فانظر في أمرك ثم أقض إلينا قضاك ..

فبعث أبو طالب هذه المقالة .. لـ (محمد) ... صلى الله عليه وسلم ..

وقال له .. يا بن أخي .. إن قومك قد جاءوني .. فقالوا كذا وكذا .. للذي قالوا له..
وآذوني قبل.. فأبق على نفسك .. ولاتحملني من الأمر ما أطيق أنا ولا أنت ..
واكفف عن قوك أن يكرهون من قولك هذا .. الذي فرق بيننا وبينهم ..

فظن (محمد) .. رسول الله .. أن عمه قد خذله .. وضعف عن نصرته ..

فقال .. يا عم .. لو وضعتَ الشمس في يميني والقمر في يساري ماتركتُ الأمر ..
حتى يظهره الله أو أهلك دونه ..

فقال له أبو طالب ... أقبل يا ابن أخي .. امض على أمرك وأفعل ما أحببت ..
فوالله لا نسلمك بشيء أبدا ...

وعن يونس بن طلحة بن يحيى .... بن عبيد الله بن موسى بن طلحة..
عن عقيل بن أبي طالب ... قال ..

"جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا .. إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا
فانهه عنا ..
فقال أبو طالب .. ياعقيل انطلق فائتيني بمحمد ..
فانطلقتُ إليه فاستخرجته من خيس يقول بيت صغير ..
فجاء به في الظهيرة من شدة الحر ..
فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدة الحر الرحض..
فلما أتاهم قال أبو طالب: ان ابني عمك هؤلاء ..
قد زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم .. فانته عن أذاهم ..
فحلق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ببصره إلى السماء..
فقال: أترون هذه الشمس ؟
قالوا: نعم
قال: فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة !
فقال أبو طالب: والله ما كذبنا ابن أخي .. فارجعوا ..

وكان أبو طالب .. كما يهجو من يذم ابن أخيه بشعره ..
فكان لايتوارى .. عن مدح ابن أخيه .. والدفاع عنه..
ومما قال ...

والله لن يصلوا بجمعهم - حتى أوسدُ في التراب دفينا
إمضي لأمرك ما عليك غضاضة - وابشر وقر بذاك منك عيونا
ودعوتني وعلمتُ أنك ناصح - فلقد صدقتَ وكنتَ قديما أمينا
وعرضتَ دينا قد عرفت بأنه - من خير أديان البر دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة - لوجدتني سمحا لذاك مبينا

وقال أبو طالب...

ألا أبلغا عني على ذات نأيها - لؤيا وخصا من لؤي بني كعبِ
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمدا - نبيا كموسى خطّ في أول الكتبِ
وأن عليه في العباد محبة - ولا خير فيمن خصه الله بالحب
أفيقوا قبل أن تحفر الثرى - ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب
ولاتتبعوا أمر الغواة وتقطعوا - أيا صرنا بعد المودة والقرب
وتستجلبوا حربا عوانا وربما - أمر على من ذاقه حلب الحرب
ولسنا ورب البيت نسلم أحمدا - على الحال من عض الزمان ولا كرب
أليس أبونا هاشم شد أزره - وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا - ولانشتكي ما ينوب من النكب
ولكننا أهل الحفاظ والنهى - إذا طار أرواح الكماة من الرعب ِ

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 12:37

هل أسلم أبو طالب؟

عند البحث في موثوقات أشعاره في أم الكتب ...
وجدتُ لكم بفضل الله وتدبيره ... هذه الأبيات ..
التي تدل على إيمانه بدين (محمد) ... صلى الله عليه وسلم .. !!!!

ففي البخاري (التاريخ الصغير) .. ج1 .. ص 38
حدثنا : قتيبة ، حدثنا : سفيان ، عن علي بن زيد ، قال : كان أبو طالب يقول :

فشق له من إسمه ليجله - فذو العرش محمود وهذا محمد

وهو مذكور في إبن حجر - فتح الباري شرح صحيح البخاري
كتاب المناقب - باب ما جاء في أسماء رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
رقم الصفحة ( 641 )

وقوله : ( من بعدي اسمه أحمد )
وقد أخرج المصنف في التاريخ الصغير من طريق علي بن زيد قال : كان أبو طالب يقول :

وشق له من إسمه ليجله - فذو العرش محمود وهذا محمد

وعند إبن هشام الحميري - السيرة النبوية -
في مباداة رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) قومه وما كان منهم
في شعر أبي طالب في مدح قومه لحدبهم عليه ..
ج1 ، ص 174

إذا اجتمعت يومـاً قريـش لمفخـر - فعبـد منـاف سـرها وصميمها
وإن حصلت أشـراف عبـد منافهـا - ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يومـاً فإن محمـداً - هو المصطفى من سـرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها - علينا فلم تظفر وطاشت حلومها
وكنـا قديمـاً لا نـقــر ظـلامــة - إذا ما ثـنـوا صعــر الخـدود نقـيـمها
ونحمي حماها كل يوم كريهة - ونضرب عن أحجارها من يرومـها
بنا إنتـعـش الـعـود الـذواء وإنـما - بأكـنافـنا تنـدى وتنمـى أرومـها

وعند إبن كثير - البداية والنهاية -
في كتاب سيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
في- فصل فيما إعترض به المشركون على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
ج4 ، رقم الصفحة ( 135 / 143 )

وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل
وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذا إكتنفوه بالضحى والأصائل
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافياً غير ناعل
وأشواط بين المروتين إلى الصفا * وما فيهما من صورة وتماثل
ومن حج بيت الله من كل راكب * ومن كل ذي نذر ومن كل راجل

ثم قال ...

كذبتم وبيت الله نترك مكة * ونظعن إلاّ أمركم في بلابل
كذبتم وبيت الله نبذي محمداً * ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل

ثم قال ...

بكفي فتى مثل الشهاب سميدع * أخي ثقة حامي الحقيقة باسل
شهوراً وأياماً وحولاً محرما * علينا وتأتي حجة بعد قابل

ثم قال :

ونعم ابن أخت القوم غير مكذب * زهير حساماً مفرداً من حمائل
أشم من الشم البهاليل ينتمي * إلى حسب في حومة المجد فاضل
لعمري لقد كلفت وجداً بأحمد * وإخوته دأب المحب المواصل
فمن مثله في الناس أي مؤمل * إذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائش * يوالي إلها ليس عنه بغافل
كريم المساعي ماجد وإبن ماجد * له إرث مجد ثابت غير ناصل
وأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير زائل
فوالله لولا أن أجئ بسبة * تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا تبعناه على كل حالة * من الدهر جداً غير قول التهازل
لقد علموا أن إبننا لا مكذب * لدينا ولا يعنى بقول إلاّ باطل
فأصبح فينا أحمد في أرومة * يقصر عنها سورة المتطاول
حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عنه بالذرى والكلاكل

هذه قصيدة عظيمة بليغة جداً لا يستطيع يقولها إلاّ من نسبت إليه
وهي أفحل من المعلقات السبع ، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعاً
وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر ، والله أعلم.



حصار الشِعاب



لما عرفت قريش أن لاسبيل إلى (محمد) ..
اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني المطلب..
أن لايناكحوهم ولا ينكحوا إليهم ..
ولايبايعونهم ولا يبتاعون منهم ..

فكتبوا صحيفة في ذلك ..
كتبها عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار..
وعلقوها بالكعبة .. ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم ..

واشتد البلاء عليهم
وعظمت الفتنة فيهم
وزلزلوا زلزالا شديدا ..

وانطلق أبو طالب ومن تحالف معهم ..
فقاموا بين أستار الكعبة ..
فدعو الله على ظلم قومهم لهم
وفي قطيعتهم أرحامهم واجتماعهم على محاربتهم ..
وبتأولهم سفك دماءهم ..
فقال ..

"اللهم إن أبى قومنا إلا النصر علينا
فعجل نصرنا
وحل بينهم وبين قتل ابن أخي"

ثم أقبل إلى جمع قريش وهم ينظرون إليه وإلى أصحابه..
فقال ..

"ندعو برب هذا البيت على القاطع المنتهك للمحارم
والله لتنتهن عن الذين تريدون
أو لينزلن بكم في قطيعتنا بعض الذي تكرهون"

فقالوا..

"إنكم يا بني عبد المطلب لا صلح بيننا وبينكم ولارحم..
إلا على قتل هذا الصبي السفيه"

ثم عمد أبو طالب فأدخل الشِعب في ناحية من مكة .. ومعه (محمد) ..وبني أبيه
ومن اتبعهم من بين مؤمن دخل لنصرة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
وبين مشرك أخذته الحمية لقومه ..

وكانوا يخرجون من الشِعب إلى الموسم
فكانت قريش تبادرهم إلى الأسواق فيشتروها ويغلونها عليهم
ونادى منادي (الوليد بن المغيرة) في قريش ..
"أيما رجل وجدتموه عند طعام يشتريه .. فزيدوا عليه"

واشتد الحصار على أهل الشِعب
حتى سمع الناس أصوات صبيانهم لشدة الجوع..
وكان المشركون يكرهون مافيه بنو هاشم من البلاء
حتى كره عامة قريش ما أصابهم ..

أما الحبيب (أبو طالب) .. فكان وهو في الشعاب ..
يخاف أن يغتالوا (محمدا) .. ليلا أو سرا ..
فكان (محمد) صلى الله عليه وسلم .. إذا أخذ مضجعه .. أو رقد ..
بعثه (أبو طالب) من فراشه ..
وجعله بينه وبين بنيه خشية أن يقتلوه ..

وبدأن أحد الرجال من قريش يقول لصاحبه... كيف بات أهلك البارحة؟

فيقول الآخر.. بخير

فيقول: لكن أخوانكم هؤلاء الذين في الشِعب ..
باتوا صبيانهم يتضاغون من الجوع حتى أصبحوا .. !

أما الحبيبة (خديجة) .. فكانت هناك مع زوجها في الشعاب ..
بعد أن تخلت عن دارها الوثيرة .. وقامت تتبع زوجها وقد علت بها السن ..
وناءت بأثقال الشيخوخة .. والثكل ..

فهي تنصره وتشد أزره .. وتعينه على احتمال أقسى ضروب الأذى ..
وانواع الاضطهاد .. سنين عددا..
بعد أن اعلنت قريش عليهم حربا مدنية لا ترحم ..
وهي صابرة مع الرسول ومن معه من صحبه وقومه ..
تتأمل فرجا من الرحمن قريبا ...

وأقام القوم في الشعاب .. سنتين إلى ثلاث ..
حتى جهد القوم جهدا شديدا ..
لايصل إليهم شيء إلا سرا ..

ويُروى أن (حكيم بن خزام) خرج يوما ومع إنسان ..
يحمل طعاما إلى عمته (خديجة بنت خويلد) ..

فلقيه أبو جهل ..
فقال له .. تذهب بالطعام إلى بني هاشم ..
والله لاتبرح أنت وطعامك حتى أفضحك عند قريش..!

وكان يقف بقرب أبو جهل .. (البحتري بن هاشم بن الحارث بن أسد)..
فقال لأبو جهل مستنكرا .. تمنعه أن يرسل إلى عمته بطعام كان لها عنده .. !

فأتى أبو جهل يريد أن يمنع (حكيما) ..

فقام إليه (البحتري) بساق بعير فشجّه ..

و(حمزة بن عبد المطلب) يرى ذلك ....
وهم يكرهون أن يبلغ (محمدا) وأصحابه فيشمتوا بهم ..

وأنشد (البحتري)..

ذق يا أبا جهل ما لقيتَ غما - كذلك الجهل يكون ندما
سوف ترى عودي إن ألما - كذلك اللوم يعود ذما
تعلم أنا نفرج المهما - ونمنع الأبلج أن يطًمّا

ثم أن الله أرسل برحمته على صحيفة قريش التي علقوها في الكعبة ..
دودة الأرضة .. فأكلت الصحيفة كل ما كان فيه أسم الله ..
وتركت فيه القطيعة والبهتان ..

فأخبر (محمدا) عمه (أبو طالب) بهذا الأمر ..
فسأله العم ..يا ابن أخي .. من حدثك هذا ..
وليس يدخل إلينا أحد .. ولاتخرج أنت على أحد ..
ولستَ في نفسي من أهل الكذب؟

فقال (محمد) .. أخبرني ربي بهذا..

فقال عمه .. إن ربك لحق .. وأنا أشهد أنك صادق ..

فجمع (أبو طالب) رهطه ولم يخبرهم بشيء ..
مخافة أن يفشوا الخبر بين المشركين ..
فيحتالوا للصحيفة الخبث والمكر ..

وانطلق (أبو طالب) برهطه حتى دخلوا المسجد ..
والمشركون من قريش في ظل الكعبة ..
فلما أبصروه .. تباشروا به ..
وظنوا أن الحصار والبلاء حملهم أن يدفعوا إليهم (محمدا).. فيقتلوه..

فلما انتهى إليهم (أبو طالب).. رحبوا بهم ..
ثم قالوا: قد آن لك أن تطيب نفسك في قتل رجل ..
في قتله صلاحكم وجماعتكم ..
وفي حياته فرقتكم وفسادكم ..

فقال (أبو طالب).. قد جئتكم في أمر لعله يكون فيه صلاح وجماعة..
فأقبلوا ذلك منا .. هلموا إلى صحيفتكم التي فيها تظاهركم علينا ..

فجاءوا بها ..
ولايشكون إلا أنهم سيدفعون بـ (محمد) إليهم إذا نشروها..

فقال (أبو طالب) .. صحيفتكم بيني وبينكم ..
وإن ابن أخي قد خبرني ولم يكذبني ..
أن الله عز وجل قد بعث على صحيفتكم الأرضة..
فلم تدع لله فيها اسما إلا أكلته .. وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان ..
فإن كان كاذبا .. فلكم علي أن أدفعه إليكم تقتلونه ..
وإن كان صادقا .. فهل ذلك ناهيكم عن تظاهركم علينا ؟!!

فأخذ عليهم المواثيق .. وأخذوا عليه ..
فلما نشروها .. فإذا هي كما قال (محمد رسول الله) ...!

فاستبشر (أبو طالب) وأصحابه ..
وقالوا .. أينا أولى بالسحر والقطيعة والبهتان .. ؟!!

فقال (المطعم بن عدي بن نوفل)
و (هشام بن عمرو) ... و (أخو عامر بن لؤي بن حارثة)..

"نحن براء من هذه الصحيفة القاطعة العادية الظالمة
ولن نماليء أحدا في فساد أنفسنا وأشرافنا .. "

فأنشد (أبو طالب) ..

قد كان في أمر الصحيفة عبرة - متى مايخبر غائب القوم يعجبُ
محى الله منها كفرهم وعقوقهم - وما نقموا من باطل الحق معرب ُ
فأصبح ما قالوا من الأمر باطلا - ومن يختلق ما ليس بالحق يكذُبُ
وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا - على سخط من قومنا غير معتِبُ
فلا تحسبوا يامسلمين محمدا - لذي عربة منا ولا متغربُ
ستمنعه منا يد هاشمية - مركبها في الناس خير مَركبُ

وانتهت المقاطعة الاقتصادية ..
وعاد رسول الله ومن معه من المحاصرين ... إلى بيوتهم بأمان ..
برحمة من الله وفضل ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
المغربي
المراقبون
المراقبون
avatar

عدد المساهمات : 1622
تاريخ التسجيل : 27/01/2014

مُساهمةموضوع: رد: سيرة سيد الخلق   الجمعة 06 يونيو 2014, 12:42

عام الحزن



حين تهاوى الحصار أمام ذلك الإيمان الصادق .. والمجاهَدة الباسلة..
وبدأ (محمد رسول الله) يعود إلى بيته في جيرة الحرم المكي ..
مع زوجته المؤمنة الصابرة ..
التي بذلت له في المحنة .. ما أبقى لها الزمن من الطاقة ..
في عامها الخامس والستين ..

وبعد نحو 6 أشهر من انهيار الحصار ..
مات العم الحبيب .. (أبو طالب) ..
مات الأب .. والصديق .. والكفيل .. والحامي ..
والمانع له طواغيت قريش .. وهم قومه ..

ولقد كان توقيت اختفاء (أبو طالب) من مسرح الأحداث .. توقيتا عجيبا ..
أي نعم .. كان موته مأساويا إلى أبعد درجة
لا لأنه مات فقط
ولا لأنه كان ناصرا للدعوة حاميا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
ودافعا لكيد أهل قريش من الكافرين
وجامعا لبني هاشم وبني المطلب حول رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
ومؤيدا له باللسان والسنان..
لكن .. كي لا يظن أحد أن الدعوة قائمة عليه..
وليعلم الجميع أن الدعوة مستمرة... لأنها دعوة الله ..

وبعد وفاة أبو (أبو طالب) .. تغير الموقف في مكة تغيرا كبيرا
فقد كان لأبي طالب مكانة كبيرة في مكة..
لذلك .. تجرأ الكفار على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تجرُّؤًا غير مسبوق
حتى إنه (صلى الله عليه وسلم) .. قال..

"ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب"

فمع أنه (صلى الله عليه وسلم) قد تعرض قبل ذلك لإيذاء من أهل مكة في حياة أبي طالب
إلا أنه اعتبره وكأنه لم يكن..
بالقياس لما حدث بعد وفاة عمه ..
فلقد اعترض سفيه من سفهاء قريش طريقه (صلى الله عليه وسلم)
فنثر على رأسه التراب
فدخل بيته (صلى الله عليه وسلم) والتراب على رأسه الشريف
فقامت إليه إحدى بناته..
وجعلت تغسل التراب وهي تبكي ..
ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول لها:

"لا تبكي يا بنية .. فإن الله مانعٌ أباكِ"

بل حدث ما هو أشد..
فكما روى البخاري ومسلم عَنِ ابن مسعود ..

"قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ
وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلاَ جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟
فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ (وفي رواية أنه عقبة بن أبي معيط)
فَأَخَذَهُ
فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم)
وضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ
وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم)
(ولاحظ الحسرة الشديدة في كلام ابن مسعود رضي الله عنه
وَالنَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ
فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ
ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ
فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم)َلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ
وكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاَثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاَثًا-
ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" ثَلاَثَ مَرَّات
فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمْ الضَّحْكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ
ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ
وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ
وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ
وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ
وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ
وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ"
وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ. (وفي رواية أخرى أنه عمارة بن الوليد)
فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا (صلى الله عليه وسلم) بِالْحَقِّ
لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ"

ولا يخفى علينا مدى الألم الذي كان يشعر به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند هذه الحادثة
فمع كل ما حدث له وللمؤمنين في السنوات العشر السابقة
إلا أنه للمرة الأولى يقف ويدعو على قريش
ثم هو يسمي أسماء بذاتها قد تأكد عنده أنهم لا أمل في إيمانهم
فدعا عليهم بالهَلَكَة..

وبعد فترة قليلة .. حدث مصاب آخر جلل ..
فقد توفيت السيدة (خديجة) ... رضي الله عنها ..
وعن عائشة .. تصف حديثه (صلى الله عليه وسلم) عن تلك الراحلة ..

"مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا
قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ
وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ
وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ
وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلاَدَ النِّسَاءِ"

وموت الزوجة بصفة عامة مصيبة..
فإن كانت الزوجة صالحة كان الفراق أصعب وأصعب..
فما بالكم لو كانت الزوجة واحدة من أعظم نساء الأرض!

وروى الترمذي عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ..

أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:
"حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ
وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ"

و روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه
قَالَ: "أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم)
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ -أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ-
فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنْ رَبِّهَا !!!!!
وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ (أي من لؤلؤ مجوف أو ذهب منظوم بالجوهر)
لاَ صَخَبَ (أي لا صوت مرتفع) فِيهِ
وَلاَ نَصَبَ (أي لا تعب)"

فأي درجة عالية هذه .. من درجات السمو!!
وسيدة كهذه ..
بهذا القدر ..
وبهذه القيمة
وبهذه المكانة
فارقت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
وفي وقت هو من أحرج أوقات الدعوة على الإطلاق....

وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد بلغت الخمسي من العمر
ووهن العظم
وكثرت الهموم
وصَعُبَ الطريق
وأظلمت مكة...

فلقد أغلقت تقريبا أبواب الدعوة في مكة وتجمد الموقف
ولم يعد هناك كبير أمل في إسلام رجل من أهل مكة في هذه الظروف
أ يأتي زمان وتقف الدعوة؟!

ولأن الدعوة لله ..
ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتحمل توقف الدعوة
فهي بالنسبة إليه كالماء والهواء ..
حتى إن الله عاتبه في شدة حزنه على عدم استجابة الناس

(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)

قرر بعدها (صلى الله عليه وسلم ) .. أن يمضي قدما في دعوته .. مستعينا ومتوكلا على الله ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moons.moontada.com
 
سيرة سيد الخلق
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 12انتقل الى الصفحة : 1, 2, 3 ... 10, 11, 12  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صاحب الامر  :: الفئة العامة - خاص لعامة الناس :: صفحات الاعضاء من عامة الناس :: فرع المغربي-
انتقل الى: